{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) }
«فَإِنْ قِيلَ» : إنه عطف على حبل الله حبلاً من الناس، وذلك يقتضي المغايرة؟
فالجَوابُ: قال بعضهم: حبل الله هو الإسلام، وحبل الناس هو العهد والذمة، وهذا بعيد؛ لأنه لو كان المراد ذلك، لكان ينبغي أن يقال: أو حبل من الناس.
وقال آخرون: المراد بكلا الحبلين: العهد والذمة والأمان، وإنما ذكر - تعالى - الحَبْلَيْن؛ لأن الأمان المأخوذ من المؤمنين، هو الأمان المأخوذ بإذن الله تعالى.
قال ابن الخطيب: وهذا عندي - أيضاً - ضعيف، والذي عندي فيه أن الأمان للذميّ قسمان:
أحدهما: الذي نصَّ الله عليه، وهو أخْذ الجزية.
الثاني: الذي فُوض إلى رَأي الإمام، فيزيد فيه تارة، وينقص بحسب الاجتهاد، فالأول: هو المُسَمَّى بحبل الله، والثاني: هو المسمى بحبل المؤمنين.
«فَإِنْ قِيلَ» : فما الحكمة في قوله: {ذلك بِمَا عَصَوْاْ} ، ولا يجوز أنْ يكونَ هذا التكرير للتأكيد؛ لأن التأكيد يجب أن يكون بشيء أقْوَى من المؤكد - والعصيان أقل حالاً من الكفر - فلا يُؤكَّد الكفر بالعصيان؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أَنَّ عِلَّةَ الذِّلَّةِ وَالْغَضَبِ وَالْمَسْكَنَةِ هِيَ الْكُفْرُ وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ، وَعِلَّةُ الْكُفْرِ وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ الْمَعْصِيَةُ؛ لأنهم لما توغَّلوا في المعاصي والذنوب، وتزايدت ظلمات المعاصي - حالاً فحالاً، ضعف نور الإيمان حالاً فحالاً - إلى أن بطل نور الإيمان، وحصلت ظلمة الكُفْر، وإليه أشار بقوله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] ، فقوله: {ذلك بِمَا عَصَوْاْ} إشارة إلى العلة.
ولهذا المعنى قال الإمام أحمد - وقد سُئل عن تارك السنن، هل تُقْبَل شهادته؟
-قال: ذلك رجل سوء؛ لأنه إذا وقع في ترك السنن أدَّى ذلك إلى تَرْك الفرائض، وإذ وقع في تَرْك الفرائض، وقع في استحقار الشريعة، ومن ابتلي بذلك وقع في الكُفْر.
الثاني: أن يُحْمَل قوله: {كانوا يكفرون بآيات الله} على أسلافهم، وقوله: {ذلك بِمَا عَصَوْاْ} في الحاضرين في زمن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلا يلزم التكرار، فكأنه - تعالى - بيَّن عقوبة مَنْ تقدَّم، ثم بيَّن أن المتأخر - لما تبع من تقدم - صار لأجل معصيته، وعداوته متسوجِباً لمثل عقوبتهم، حتى يظهر للخلق ما أنزل الله بالفريقين.