فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 1771

{وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا(78)}

اعلم أن السِّيِّئَة تَقَع على البَلِيَّة والمَعْصِيَة، والحَسَنة على النِّعْمَة والطَّاعَة؛ قال تعالى: {وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168] وقال - تعالى: {إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات} [هود: 114] ، وإذا ثبت هذا؛ فنقو: قَوْله: {وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} ، وقوله: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} يفيد العُمُوم في كُلِّ الحَسَنَات والسَّيِّئات، ثم قال بَعْدَه: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله} .

فهُنَا تصريحٌ بأنَّ جميع الحَسَنات والسَّيِّئات من الله - تعالى -، ولمَّا ثَبَتَ بما ذكرنا أنَّ الطَّعات والمَعَاصِي دَاخِلَتَانِ تحت اسْم الحَسَنَةِ والسَّيِّئَة، كانت الآية دالَّة على أنَّ جميعَ الطَّاعاتِ والمَعَاصي من الله تعالى، وهو المَطْلُوبُ.

«فَإِنْ قِيلَ» : المرادُ من الحَسَنة والسَّيِّئَة هُنا: لَيْس هو الطَّاعَة والمَعْصِيَة؛ لاتِّفَاق الكُلِّ على أنَّ هذه الآية نَزَلت في الخَصب والجَدْب، فاخْتُصَّتْ بِهِمَا، وأيضاً فالحَسَنة التَّي يُرَاد بها الخَيْر والطَّاعَة[لا يقال فيها: أصابَتْنِي، إنما يُقَال: أصَبْتُها، وليس في كَلاَم العَرَب أصَابَ فُلانٌ حَسَنَة، بمعنى: عَمِلَ خَيْرٍ أو أصَابَتْهُ سيِّئة بمعنى: عمل مَعْصِيَةٍ، فلو كان المُرَاد ما ذَكَرْتُم، لقَالَ: إن أصَبْتُم حَسَنَةً.

وأيضاً: لفظ الحَسَنَة وَاقِعٌ بالاشْتِرَاك على الطَّاعَةِ وعلى المنفعة، وهَهُنا أجْمَع المفسِّرون على أنَّ على الطَّاعضةِ وعلى المنفعة، وهَهُنَا أجْمَع المفسِّرون على أنَّ المَنْفَعَة مُرَادة، فيمتنع كَوْن الطَّاعَة مرادة]، لأنَّه لا يجوز اسْتِعْمضال المُشْتَرَك في مَفْهُومَيْه مَعاً.

والجواب عن الأوَّل: أن خصوصَ السَّبَب لا يَقْدَحُ في عُمُوم اللَّفْظ.

وعن الثَّانِي: أنه يَصِحُّ أن يُقَال: أصَابَنِي تَوْفِيقٌ من الله، وَعَوْن من الله، وأصابه خُذْلاَنَ من الله، ويكون المُراد من ذلك التَّوفِيق والعَوْن: تلك الطَّاعة، ومن الخُذْلان: تلك المَعْصِيَة.

وعن الثَّالث: أن كل ما كَانَ مُنْتَفِعاً به فهو حَسَنة، فإن كان نَفْعه في الآخِرَة، فهو في الطَّاعةِ، وإن كان نفعه في الدُّنْيا فهو السَّعَادة الحَاضِرة، فاسْم الحَسَنَة بالنِّسْبَة إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْن مُتَوَاطئُ الاشْتِرَاك، فزال السُّؤال، ويؤيد ذَلِك: أن البَدِيهَة قَاطِعَةٌ بأنَّ كل مَوْجُود مُمْكِنٌ لِذَاته، مستندٌ للحقِّ بذاته وهُوَ الله - تعالى -، فلو استَغْنَى المُمْكن بذَاتِهِ عن الحَقِّ، لزم نَفْيَ الصَّانع، وهذا الحُكْمُ لا يخْتَلِفُ كَيْف كان المُمْكن؛ حيواناً، أو جماداً، أو فعلاً، أو صِفَةً، وهذا بُرْهَانٌ كالشَّمْس، مُصَرِّح بأن الكُلَّ من عِنْد الله؛ كما قال - تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ الله} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت