قوله: {هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً} أضاف النَّاقة إليه على سبيل التفضيلِ، كقولك: بيت الله، وروح الله؛ لأنَّهَا لم تتوالد بين جمل وناقة، بل خَرَجَتْ من حَجَرٍ.
وقوله: «لَكُم» أي: أعني لكم به، وخصّوا بذلك، لأنَّهُم هم السَّائِلُوهَا، أو المنتفعون بها من بين سَائِرِ النَّاسِ لو أطاعوا.
ويحتمل أن تكون «هَذِه نَاقَةُ الله» مفسرة لقوله: «بَيِّنَةٌ» ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ تستدعي شيئاً يتبين به المدعى، فتكون الجملة في محل رفع على البدل، وجاز إبدالُ جملة من مفرد؛ لأنَّهَا في قوته.
(فصل في إعجاز الناقة)
اختلفوا في وجه كون النَّاقة آيةً:
فقال بعضهم: «كانت آية بسبب خروجها بكمالها من الصخرة» .
قال القاضي: إن صحَّ هذا فهو معجزٌ من جهاتٍ:
أحدها: خروجها من الجَبَلِ.
والثانية: كونها لا من ذَكَرٍ وأنثى.
والثالثة: كمالُ خَلْقِها من غير تَدْرِيجٍ.
وقيل: إنّضما كانت آية؛ لأجل أنَّ لها شرب يوم، ولجميع ثمود شرب يوم، واستيفاء ناقةِ شرب أمَّة من الأمَمِ عجيب.
وقيل: إنَّما كانت آيَة؛ لأنَّهُم كانوا في شربها يحلبون منها القدر الذي يقوم مقام الماء في يوم شربهم.
وقال الحسَنُ بالعكس من ذلك فقال: إنَّها لم تحلب قطرة لبن قط.
وقيل: وجه كونها آية أن يوم مجيئها إلى الماء، كانت جميع الحيوانات تمتنع من الوُرُودِ على المَاءِ، وفي يوم امتناعها تَرِدُ جميع الحيوانات.
واعلم أنَّ القرآن قد دلَّ على أنَّها آية، ولكن من أي الوُجُوه؟
فليس في القرآن ذكره.
فصل في تخصيص الناقة بهؤلاء القوم
«فَإِنْ قِيلَ» : تلك النَّاقَةُ كانت آية لكلِّ أحد، فلم خصّ أولئك القوم بها بقوله: «لَكُمْ آيَة» ؟
فالجَوابُ: من وجهين:
الأول: أنَّهم عاينوها، وغيرهم أُخبروا عنها، ولَيْسَ الخبر كالمُعاينة.
الثاني: لَعلَّه يثبت سائر المعجزات، إلاَّ أنَّ القَوْمَ التمسوا من صَالح هذه المعجزة نفسها على سبيل الاقْتِرَاح، فأظهرها الله تعالى لهم، فلهذا المعنى حسن هذا التخصيص.