«فَإِنْ قِيلَ» : ما فائدة تقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً؟
فالجَوابُ: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولا سبي، والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير، فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به، ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه
على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله «فريقاً تقتلون» فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل إما أنها جملة فعلية فلأنها لو كانت اسمية لكان الواجب في «فريق» الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم فلما نصب كان ذلك بفعل مضمير يفسره الظاهر تقديره: «تقتلون فريقاً تقتلون» والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وهاهنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون» يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال: «فريقا» سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل فعدم تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: «فَريقاً تأسرون» فمن سمع «فريقاً» ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل هاهنا أولى.