قال النحاس: وهو تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي، أي وما يرغب والمعنى: يزهد فيها، وينأى بنفسه عنها، أي: الملّة وهي الدين والشرع؛ إلاّ من سَفِهَ نَفْسَهُ.
قال قتادة: وكل ذلك توبيخ اليهود، والنصارى، ومشركي العرب؛ لأن اليهود إنما يفتخرون بالوَصْلَة إلى إسرائيل، وقريش فإنهم إنما نالوا كلّ خير بالبيت الذي بناه، فصاروا لذلك يدعون إلى كتاب الله، وسائر العرب، وهم العدنانيون مرجعهم إلى إسماعيل، وهم يفتخرون على القَحْطَانيين بما أعطاه الله تعالى من النبوة، فرجع عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم عليه السلام، ولما ثبت أنّ إبراهيم عليه السلام هو الذي طلب من الله تعالى بعثة هذا الرسول في آخر الزمان ثبت أنه هو الذي تضرع إلى الله تعالى في تحصيل هذا المقصود، والعجب ممن أعظم مفاخره وفضائله الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوة إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ومطلوبه بالتضرّع لا شك أن مما يستحق أن يتعجب منه.
«فَإِنْ قِيلَ» : لعل الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ الذي طلب إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بعثه غير هذا الشخص؟
فالجَوابُ أن التوراة والإنجيل شاهدة بصحة هذه الرواية، والمعتمد في إثبات نبوته صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وظهور المعجزة على يده، وهو القرآن الكريم وإخباره عن الغيوب منسوخ، ولفظ «الملة» يتناول الفروع والأصول؛ فيكون محمداً عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
والجواب لمّا أنه طلب من الله بعثه هذا الرسول وتأييده ونشر شريعته، عبر عن هذا المعنى بأنه ملة إبراهيم.
روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: إن الله تعالى قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيّاً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن به فهو ملعون، وأَسْلم سَلَمَةُ، ومهاجراً أَبَى أن يسلم، فنزلت هذه الآية الكريمة.