فهرس الكتاب

الصفحة 1230 من 1771

{قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(52)}

«فَإِنْ قِيلَ» : ما الحكمة في أنه أخر شهادة أهل الكتاب في آخر الوعد في قوله: {وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب} [الرعد: 43] وهنا قدم شهادة أهل الكتاب، فقال: {فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به} [العنكبوت: 47] أي من الكتاب؟

فالجواب: أن الكلام هناك مع المشركين فاستدل عليهم بشهادة غيرهم، ثم إن شهادة الله أقوى في إلزامهم من شهادة غير الله، وهاهنا الكلام مع أهل الكتاب فشهادة الله على نفسه هو إقراره وهو أقوى الحجج عليه، فقدم ما هو ألزم عليهم، ثم إنه تعالى لما بين الطريقتين في إرشاد الفريقين المشركين وأهل الكتاب عاد الكلام الشامل لهما والإنكار العام فقال: {والذين آمَنُواْ بالباطل} ، قال ابن عباس: بغير الله {وَكَفَرُواْ بالله أولئك هُمُ الخاسرون} .

«فَإِنْ قِيلَ» : قوله {أولئك هم الخاسرون} يقتضي الحصر، أي من أتى بالإيمان (بالباطل) والكفر (بالله) فهو الخاسر فمن يأتي بأحدهما دون الآخر ينبغي أن لا يكون خاسراً؟

فالجَوابُ: أنه يستحيل أن يكون الآتي بأحدهما لا يكون آتياً بالآخر لأن المؤمن بما سوى الله مشرك، لأنه جعل غير الله مثله، وغير الله عاجز ممكن باطل فيكون الله كذلك، ومن كفر بالله وأنكره فيكون قائلاً بأن العالم ليس له إله موجود فوجود العالم من نفسه فيكون قائلاً: بأن العالم واجب الوجود، والواجب إله فَيَكُون قائلاً بأن غير الله إله فيكون إثباتاً لغير الله وإيماناً به.

«فَإِنْ قِيلَ» : إِذَا كَانَ الْإِيمَانُ بِمَا سِوَى اللَّهِ كُفْرًا بِهِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِالْبَاطِلِ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ، فَهَلْ لِهَذَا الْعَطْفِ فَائِدَةٌ غَيْرُ التَّأْكِيدِ الَّذِي هُوَ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: قُمْ وَلَا تَقْعُدْ وَاقْرُبْ مِنِّي وَلَا تَبْعُدْ؟

نَقُولُ نَعَمْ فِيهِ فَائِدَةٌ غَيْرُهَا، وَهُوَ أَنَّهُ ذَكَرَ الثَّانِيَ لِبَيَانِ قُبْحِ الْأَوَّلِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ أَتَقُولُ بِالْبَاطِلِ وَتَتْرُكُ الْحَقَّ لِبَيَانِ أَنَّ الْقَوْلَ بَاطِلٌ قَبِيحٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت