قال الوَاحِدِيُّ: فيه قَوْلاَنِ:
أحدهما: المُرَاد بالحِذْرِ هاهُنَا السِّلاح، والمعنى: خُذُوا سِلاَحَكُ، والسِّلاح يسمى حِذْراً؛ لأنَّه يُتَّقَى ويُحْذَر.
والثاني: «خذوا حذركم» بمعنى: احْذَرُوا عَدُوَّكم، فعلى الأوَّل: الأمر بأخذ السِّلاح مُصَرَّحٌ به، وعلى الثَّانِي: أخذ السَّلاح مَدْلُول عليه بِفَحْوَى الكَلامِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : إنَّ الَّذِي أمَر الله - تعالى - بالحذْرِ عَنْهُ إن كان يُفضَي إلى الوُجُودِ، لم يَنْعَدِم، وإن كانَ الحذْر يُفْضِي إلى العَدَمِ، فلا حَاجَة إلى الحذْر، فعلى التَّقْديرَيْن الأمْر بالحذْر عَبَث، قال - عليه السلام: «المَقْدُورُ كَائِنٌ» وقيل: الحذر لا يُغْنِي عن القَدَر؟
فالجَوابُ: أن هذا الكَلاَم يُبْطِل القَوْل بالشَّرَائِع؛ فإنه يُقَالُ: إن كان الإنْسَان من أهْل السَّعَادة في قَضَاءِ الله وقدرِه، فلا حَاجَة إلى الإيمَانِ، وإن كان من أهْل الشَّقَاءِ، لم ينْفَعْه الإيمانُ والطَّاعَة، فهذا يفضي إلى سُقُوط التَّكْلِيف بالكُلِّيّة.
واعلم أنه لما كَان الكُلُّ بِقَضَاء الله - تعالى - كان الأمْر بالحَذَرِ أيْضاً دَاخلاً بالقَدَر، وكان قَوْل القَائِل: أي فَائِدة بالحَذَر كَلاَماً مُتَنَقِضاً؛ لأنه لما كان هذا الحَذَر مُقَدَّراً، فأيُّ فائدة في هَذَا السُّؤال الطَّاعِن في الحَذَرِ.