فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 1771

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ...(32)}

«فَإِنْ قِيلَ» : قوله {مِنْ أَجْلِ ذلك} أي: من أجْل ما مَرَّ من قصَّة قَابِيل وهَابِيل كَتَبْنَا على بَنِي إسْرَائيل القصاص وذلك مُشْكِلٌ، لأنه لا مُنَاسَبَة بين واقِعَة قَابِيل وهَابِيل، وبين وُجُوب القِصَاص على بَنِي إسْرائيل؟

فالجَوابُ من وجهين:

أحدهما: ما تقدَّم نَقْلُهُ عن الحسن، والضَّحَّاك: أنَّ هذا القَتْل إنما وقع في بَنِي إسْرَائيل، لا بَيْنَ ولديْ آدم لصُلْبِه.

الثاني: أن «مِنْ» في قوله {مِنْ أَجْلِ ذلك} ليس إشارة إلى قصَّة قَابِيل وهَابِيل بَلْ هُو إشَارَةٌ إلى ما ذكر في القِصَّة من أنْوَاع المَفَاسِدِ الحاصلة بِسَبَب القتل المحرَّم، كقوله «فأصْبَح من الخَاسِرين» ، و «أصْبَح من النَّادِمين» ، فقوله «أصبح من الخَاسِرِين» إشارةٌ إلى أنه حَصَل في قلبه أنْوَاع النَّدم والحسرة والحُزْن، مع أنَّه لا دَافِع لذلك ألْبَتَّة.

«فَإِنْ قِيلَ» : حُكْم القِصَاص ثَابتٌ في جميع الأمَم فما فَائِدَة تخْصِيصِه بِبني إسْرائيل؟

فالجَوابُ: أنَّ وجوب القِصَاص وإن كان عاماً في جميع الأمَمِ، إلا أنَّ التَّشْديد المَذْكور في حقِّ بَنِي إسْرائيل غير ثَابتٍ في جميع الأدْيَان؛ لأنَّه - تعالى - حكم هاهُنَا بأن قَتْل النفس جار مُجْرى قَتْل جَمِيع النَّاس، فالمقصود منه: المُبَالَغَة في عقاب القتل العَمْد العدوان، والمقصود من هذه المُبَالَغَة: أنَّ اليهُود مع عِلْمهم بهذه المُبَالغة العَظِيمة أقدَموا على قتل الأنبياء والرُّسل، وذلك يدُلُّ على غاية قَسَاوَة قُلُوبهم ونِهَاية بُعْدهم عن طَاعَة الله، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص، تَسْلية الرَّسول في الواقعة التي ذكرْنا، من أنَّهُم عزموا على الفتك برسُول اللَّه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وبأكابر الصَّحابة، فكان تَخْصِيص بَنِي إسرائيل في هذه القِصَّة بهذه المُبَالغَة مُنَاسِباً للكَلاَم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت