فهرس الكتاب

الصفحة 1577 من 1771

{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ...(22)}

معنى «يوادُّون» أي: يحبون ويوالون {مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ} . وقد تقدم الكلام على المُحَادّة.

والمعنى: أنه لا يجتمع الإيمان مع ودادةِ أعداء الله.

فصل في المراد بهذه الموادّة

«فَإِنْ قِيلَ» : أجمعت الأمة على أنه تجوز مخالطتهم ومعاملتهم ومعاشرتهم فما هذه الموادة المحرمة؟

فالجَوابُ أن الموادّة المحرمة هي إرادة منافعه ديناً ودُنْيا مع كونه كافراً، فأما سوى ذلك فلا حَظْر فيه.

قوله تعالى: «ولو كانوا» هذه «واو» الحال.

وقدّم أولاً الآباء؛ لأنهم تجب طاعتهم على أبنائهم، ثم ثنَّى بالأبناء؛ لأنهم أعلقُ بالقلوب وهم حياتها، قال الحماسي في معنى ذلك، رحمة الله عليه رحمة واسعة: [السريع]

4733 - وإنَّمَا أوْلادُنَا بَيْنَنَا ... أكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الأرْضِ

ثم ثلَّث بالإخوان؛ لأنهم هم الناصرون بمنزلة العضُد من الذِّراع.

قال رَحِمَهُ اللَّهُ: [الطويل]

4737 - أخَاكَ أخَاكَ إنَّ مَنْ لا أخَا لَهُ ... كَسَاعٍ إلى الهَيْجَا بِغَيْرِ سِلاحِ

وإنَّ ابْنَ عَمِّ المَرْءِ - فَاعْلمْ - جَنَاحُهُ ... وهَلْ يَنْهَضُ البَازِي بِغَيْرِ جَنَاحِ

ثم ربع بالعشيرة؛ لأن بها يستعان وعليها يعتمد.

قال بعضهم، رحمة الله عليه: [البسيط]

4734 - لا يَسْألُونَ أخَاهُمْ حِيْنَ يَنْدُبُهُمْ ... في النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا

وقرأ أبو رجاء: «عَشِيْراتهم» ، بالجمع، كما قرأها أبو بكر في «التوبة» كذلك.

فصل في مناسبة الآية

لما بالغ في المنع من هذه الموادة في الآية الأولى من حيث أن الموادة مع الإيمان لا يجتمعان، بالغ هاهنا أيضاً من وجوه، وهي قوله تعالى: {وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} والمعنى: أن الميل إلى هؤلاء أعظم أنواع المحبة، ومع هذا فيجب أن يكون هذا الميل مطرحاً بسبب الدين.

قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم «أحد» ، وعمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم «بدر» ، وأبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال ابن جريح:

«حدثت أن أبا قحافة سبَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصكّه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - صكَّة سقط منها على وجهه ثم أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر ذلك له، فقال: «أو فَعَلْتَهُ لا تَعُدْ إليْهِ» ، فقال: والذي بعثك بالحق نبيًّا لو كان السيف منِّي قريباً لقتلته»، ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير، وعلي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يوم «بدر» أخبر أن هؤلاء لم يوادُّوا أقاربهم وعشائرهم غضباً لله تعالى ودينه.

قال القرطبي: استدل مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - بهذه الآية على معاداة القدرية، وترك مجالستهم.

قال أشهب عن مالك: لا تجالسوا القدرية، وعادوهم في الله، لقول الله عَزَّ وَجَلَّ: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ} .

قال القرطبي: وفي معنى أهل القدر جميع أهل الظُّلم والعدوان.

وعن الثوري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان.

وعن عبد العزيز بن أبي رواد: أنه لقي المنصور في الطّواف فلما عرفه هرب منه، وتلا هذه الآية.

وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لفَاجِرِ عِنْدِي نِعْمَةً، فإنِّي وجَدْتُ فِيْمَا أوْحَيْتَ إليَّ: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر} » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت