«فَإِنْ قِيلَ» : الخَطَأ لا يَكُون مَعْصِية، فما مَعْنَى قوله: {تَوْبَةً مِّنَ الله} ؟
فالجَوابُ من وجوه:
الأول: أنَّ فيه نَوْعاً من التَّقْصِير، فإنَّ الظَّاهِر أنَّه لو بَالَغ في الاحْتِيَاطِ والاسْتِكْشَافِ لما تعذر عليه الفعل، ألا تَرَى أن من قَتَل مُسْلِماً يظنه حَرْبيَّا، فلو بالغ في الاستكشافِ، فالظَّاهر أنَّه لَمْ يقَعْ فيه، ومن رمى صَيْداً فأصَاب إنْسَاناً، فلو احتاطَ ولم يَرْمِ إلاَّ في مَوْضع يَقْطَع بأنه ليس هُناك إنْسَان، فإنَّه لا يقع في تلك الواقعة؛ فقوله: {تَوْبَةً مِّنَ الله} تنبيه على أنه كَانَ مُقَصِّراً في ترك الاحْتِيَاطِ.
وثانيها: أن قوله: {تَوْبَةً مِّنَ الله} راجعٌ إلى أنَّه - تعالى - أذِن لهُ في إقَامة الصَّوم مقامَ الإعْتَاقِ عند العَجْزِ عنه؛ لأن الله - تعالى - إذا تَابَ على المُذْنِبِ، فقد خَفَّفَ عَنْه، فلما كان التَّخْفِيف من لَوَازِم التَّوْبَة، أطلق لَفْظَ «التوبة» لإرادة التَّخْفِيف؛ إطلاقاً لاسْمِ المَلْزُوم على اللاَّزِم.
وثالثها: أن المُؤمِن إذا اتَّفق له مِثْل هذا الخَطِأ، فإنه يَنْدَم ويتمنَّى ألاَّ يكون ذلك ممَّا وقَع، فسمَّى الله ذلك النَّدم والتَّمنِّي تَوْبَة.
ثم قال - تعالى: {وَكَانَ الله عَلِيماً} بأنَّه لن يقْصِد «خطأ» لما حَكَم بِهِ عَلَيْه، ولم يؤاخِذُهُ بذلك الفَعْل الخَطَأ، فإن الحَكْمَة تقتضي ألاّ يُؤاخذ الإنْسَان إلا بما يَتَعَمَّد.
قال أهل السُّنَّة: أفعال الله - تعالى - غير معلَّلَةٍ برعاية المَصَالِحِ، ومعنى كونه «حكيماً» : كونه عَالِماً بعواقِبِ الأمُور.
قال المعتزلة: هذا باطِلٌ؛ لأنه - تعالى - عطف الحَكيم على العَلِيم، فَلَو كان الحَكِيم هو العَليم، لكان عَطْفَاً للشَّيْء على نَفْسِه، وهو مُحَالٌ.
الجواب: أن كل موضع في القُرْآن ورد فيه الحكِيم معْطُوفاً على العَلِيم - كان المُراد من الحَكِيم: كونه مُحْكَماً في الفِعْل، فالإتقان، والإحْكَام، عائدٌ إلى كيفيَّة الفعلِ.