«فَإِنْ قِيلَ» : أيُّ اتِّصَالٍ لهذا الكلامِ بمَا قَبْلَهُ.
قيل: لمَّا عَلِمَ في الأزَل أنَّ مُقْتَضَى طِبَاعِ العَرَب الحرص الشَّديد على القَتْلِ والغارَةِ، وعلمَ أنَّ هذه الحالة لو دَامَتْ بهم، لَعَجَزُوا عن تَحْصيلِ ما يَحْتَاجُونَ إليه، وأدَّى ذلك إلى فَنَائِهِم وانْقِطَاعِهِم بالكُلِّيَّة، دَبَّرَ في ذلك تَدْبِيراً لَطِيفاً، وهو أنَّه تعالى ألْقى في قُلُوبِهمْ تَعْظيمَ البَيْتِ الحَرَامِ وتَعْظِيمَ مَنَاسِكهِ، فصار ذلك سبباً لحصُول الأمْن في البلدِ
الحرامِ وفي الشَّهْر الحرام، فلمَّا حصل الأمْنُ في هذا المكانِ، وفي هذا الزَّمَانِ، قَدَروا على تَحْصِيلِ ما يَحْتَاجُون إليه في هذا المكانِ، فاسْتَقَامَتْ مصالح مَعَايِشهم، وهذا التَّدْبِيرُ لا يُمكن إلاَّ إذا كان في الأزَلِ عالماً بِجَمِيع المعلُومَاتِ من الكُلِّيَّاتِ والجُزْئِيَّاتِ، وأنَّهُ بِكُلِّ شَيء عليم.
وقيل في الجوابِ: أنَّ الله جعل الكَعْبَة قياماً للنَّاسِ، لأنَّه يَعْلَمُ صلاح العِبَاد، كما يَعْلَمُ ما في السَّماءِ وما في الأرْضِ.
وقال الزَّجَّاج: وقد سبق في هذ السُّورةِ الإخْبَارُ عن الغُيُوبِ، والكَشْف عن الأسْرَارِ، مثل قوله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} [المائدة: 41] ، ومثلُ إخبارِهِ بِتَحْرِيفِهم الكُتُبَ فقوله ذلك ليَعْلَمُوا أنَّ اللَّه يعلمُ ما في السَّماوات وما في الأرْض راجِعٌ إليه.
وقوله تعالى: {اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب وَأَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ، لمَّا ذكر تعالى أنواع رَحْمَتِه لعبادِه، ذكر بَعْدَهُ شِدَّة العقابِ؛ لأنَّ الإيمان لا يَتِمُّ إلا بالرَّجَاء والخَوْفِ.
قال - عليه السلام: «لو وُزِنَ المُؤمِنِ ورَجَاؤُهُ لاعتدَلاَ» ، ثُمَّ ذكر بعدهُ ما يَدُلُّ على الرَّحْمَةِ، وهو كونُهُ غَفُوراً رَحِيماً، وهذا يَدُلُّ على أنَّ جانبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ؛ لأنَّهُ تعالى ذكر فيما قَبْلُ أنْواع رَحْمَتِهِ وكرمِهِ، ثُمَّ ذكرَ أنَّه شَدِيدُ العِقَابِ، ثُمَّ ذكر عَقِيبَهُ وصْفَيْنِ من أوْصَافِ الرحمةِ، وهُوَ كَوْنُهُ غَفُوراً رحيماً، وهذا يَدُلُّ على تَغْلِيبِ جانبِ الرَّحمَةِ على جَانِب العذابِ.