«فَإِنْ قِيلَ» : قوله: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} تفيد ما أفاده {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} فما المقصود من هذا التكرار؟
فالجواب: أن قوله: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ} أي: لا تتحمّل عنه غيره ما يلزمه من الجَزَاء.
وأما النُّصْرَة فهو أن يحاول تخليصه من حكم المعاقب.
«فَإِنْ قِيلَ» : قدم في هذه الآية قَبُول الشفاعة على أخذ الفدية، وفي الآية التي قبل قوله {وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ} [البقرة: 124] قدم قبول الفدية على ذكر الشَّفاعة فما الحكم؟
قال ابن الخطيب:
فالجواب: أن من كان مَيْله إلى حبّ المال أشدّ من ميله إلى عُلُوّ النفس فإنه يقدّم التمسُّك بالشافعين على إعطاء الفدية، ومن كان بالعَكْسِ يقدّم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب الإشارة إلى هذين الصنفين.
فصل في سبب نزول الآية
ذكروا أن سبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] وأبناء أنبيائه، وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا تُقْبَلُ فيه الشفاعات، ولا يؤخذ فيه فدية.
وإنما خصّ الشّفاعة والفدية والنصر بالذِّكْرِ، لأنها هي المعاني التي اعتادها بَنُو آدم في الدنيا، فإنّ الواقع في الشِّدَّة لا يتخلَّص إلا بأن يشفع له، أو يفتدى، أو ينصر.
فصل في الشفاعة
أجمعت الأمّة على أنّ الشفاعة في الآخرة لمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم اختلفوا في أن شفاعته عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لمن تكون أي للمؤمنين المستحقّين للثواب أم لأهل الكبائر المستحقين للعقاب؟
فذهب المعتزلة إلى أنها للمستحقّين للثواب، وتأثير الشفاعة زيادة المَنَافع على ما استحقّوه.
وقال أصحابنا: تأثيرها في إسقاط العقاب عن المستحقّين العقاب بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار، فإن دخلوا النار، فشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة.
واتفقوا على أنها ليست للكفار.