اعلم أبلاد العرب شديدة الحرِّ، وحاجتهم إلى الظلِّ ودفع الحرِّ شديدة؛ فلهذا ذكر الله - تعالى - هذه المعاني في معرض النِّعمة العظيمة، وذكر الجبال ولم يذكر السهول وما جعل لهم من السهول أكثر؛ لأنهم كانوا أصحاب جبال، كما قال - تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ} ؛ لأنَّهم كانوا أصحاب وبر وشعر، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} [النور: 43] وما أنزل من الثلج أكثر لكنهم كانوا لا يعرفون الثَّلج. وقال {تَقِيكُمُ الحر} وما يَقِي من البرد أكثر؛ لأنهم كانوا أصحاب حرٍّ.
ولمَّا ذكر الله - تعالى - أمر المسكن، ذكر بعده أمر الملبُوسِ؛ فقال - جل ذكره: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} والسَّرابيل: القُمص واحدها سربال.
قال الزجاج - رَحِمَهُ اللَّهُ: «كل ما لبسته فهو سِرْبال، من قميصٍ أو دِرْعٍ أو جَوشنٍ أو غيره» ؛ وذلك لأن الله - تعالى - جعل السَّرابيل قسمين:
أحدهما: ما يقي الحرَّ والبرد.
والثاني: ما يتقى به من البأسِ والحروب.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم ذكر الحرَّ ولم يذكر البرد؟
فالجَوابُ من وجوه:
أحدها: قال عطاء الخراساني: المخاطبون بهذا الكلام هم العرب، وبلادهم حارَّة [يابسة] ، فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحرَّ أشدَّ من حاجتهم إلى ما يدفع البرد: كما قال - سبحانه وتعالى - {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ} وسائر أنواع الثياب أشرف، إلا أنه - تعالى - ذكر هذا النَّوع؛ لأن عادتهم بلبسها أكثر.
والثاني: قال المبرِّد: ذكر أحد الضِّدَّين تنبيه على الآخر؛ كقوله: [الطويل]
3358 - كَأنَّ الحَصَى من خَلْفِهَا وأمَامِهَا ... إذَا حَذفَتْهُ رجْلُهَا خَذفُ أعْسَرَا
لمَّا ثبت في العلوم العقليَّة أن العلم بأحد الضِّدين يستلزم العلم بالضدِّ الآخر، فإنَّ
الإنسان إذا خطر بباله الحر، خطر بباله البرد أيضاً وكذا القول في النُّور والظلمة، والسَّواد والبياض.
الثالث: قال الزجاج: «وما وقَى من الحرِّ وقى من البرد، فكان ذكر أحدهما مغنياً عن الآخر» .
«فَإِنْ قِيلَ» : هذا بالضدِّ أولى؛ لأن دفع الحرِّ يكفي فيه السَّرابيل التي هي القُمص دون تكلُّف زيادة، أما البرد فإنَّه لا يندفع إلا بزيادة تكلُّف؟
فالجَوابُ: أن القميص الواحد لمَّا كان دافعاً للحر، كانت السَّرابيل التي هي الجمع دافعة للبرد.