فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 1771

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21)}

اعلم أن «يا» حرف وضع في أصله لنداء البعيد، وإن كان لنداء القريب، لكن بسبب أمر مهم جدًّا، وأما نداء القريب فله: «أي» والهمزة ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب، تنزيلًا له منزلة البعيد.

«فَإِنْ قِيلَ» : فلم يقول الداعي: «يا رب» ، «يا الله» وهو أقرب إليه من حبل الوريد؟

قلنا: هو استبعاد لنفسه من مَظَانّ الزُّلْفَى، إقرارًا على نفسه بالتقصير.

و «أي» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن «ذو» الذي وصلة إلى وصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم، فافتقر إلى ما يزيل إبهامه، فلا بد وأن يردفه اسم جنس، أو ما جرى مجراه، ويتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء.

ول «أي» معانٍ أخر كالاستفهام، والشرط، وكونها موصولة، ونكرة موصوفة لنكرة، وحالًا لمعرفة. و «النَّاس» صفة «أي» ، أو خبر محذوف حسب ما تقدم من الخلاف.

قال ابن الخطيب: قوله: {يَاأَيُّهَا الناس} يتناول جميع الناس الموجودين في ذلك العصر، فهل يتناول الَّذين سيوجدون بعد ذلك أم لا؟

قال: «والأقرب أنه لا يتناولهم؛ لأن قوله: {يَاأَيُّهَا الناس} خطاب مُشَافهة، وخطاب المُشَافهة مع المعدوم لا يجوز» ، وأيضًا فالذين سيوجدون ما كانوا موجودين في تلك الحالة، وما لا يكون موجودًا لا يكون إنسانًا، فلا يدخل تحت قوله: {يَاأَيُّهَا الناس} .

«فَإِنْ قِيلَ» : فوجب أن يتناول أحدًا من الَّذين وجدوا بعد ذلك الزمان، وإنه باطل قطعًا.

قلنا: لو لم يجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك، إلاَّ أنا عرفنا بالتَّواتر من دين محمد أن تلك الخطابات ثابتة في حَقِّ من سيوجد بعد ذلك إلى قيام السَّاعة؛ فلهذه الدلالة المنفصلة أوجبنا العموم.

فصل في المراد بالعبادة في القرآن

قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْه: «كلّ ما ورد في القُرْآن من العبادة فمعناها التوحيد» .

وقال ابن الخطيب: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الناس اعبدوا رَبَّكُمُ} أمر كلّ واحد بالعبادة، فهل يفيد أمر الكلّ بكل عبادة؟

الحقّ لا؛ لأن قوله: {اعبدوا} معناه: أدخلوا هذه الماهية في الوجود، فإذا أتوا بفرد من أفراد هذه الماهيّة في الوجود فقد أدخلوا الماهية في الوجود؛ لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية، لأن هذه العبادة عبارة عن العِبَادَةِ مع قيد كونها هذه، ومتى وجد المركب فقد وجد فيه قيده، فالآتي بفرد من أفراد العبادة أتى بالعبادة، وأتى بتمام ما اقتضاه قولنا: «اعْبُدُوا» ، وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت