اعلم أن كلمة «حتى» غاية لقوله: «كذبوا» لا لقوله: «قد خَسِرَ» ، لأن خسرانهم لا غَايَةَ له، ومعنى «حتى» هاهنا أنَّ مُنْتَهَى تكذيبهم الحَسْرةُ يوم القيامة والمعنى: أنهم كذبوا بالبَعْثِ إلى أن ظهرت السَّاعةُ بَغْيَةً،
«فَإِنْ قِيلَ» : إنما يَتَحَسَّرُونَ عن موتهم؟
فالجَوابُ: لما كان المَوْتُ وُقُوعاً في أحوال الآخرة ومقدماتها جُعِلَ من جنس السَّاعة، وسُمِّيَ باسمها، فلذلك قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ» والمراد بالساعة: القيامة.
قوله: «وَهُمْ يَحْمِلُونَ» «الواو» للحال، وصَاحِبُ الحال «الواو» في «قالوا» أي: قالوا: يا حَسْرَتَنَا في حالةِ حَمْلِهِمْ أوْزَارَهُمْ.
وصُدِّرت هذه الجملة بصمير مبتدأ؛ ليكون ذِكْرُهُ مَرَّتين فهو أبْلَغُ.
والحَمْلُ هنا قيل: مجازٌ عن مُقَاساتِهِمُ العذابَ الذي سَبَبُهُ الأوْزَارُ.
قال الزَّجَّاجُ: كما يُقَال: «ثقل عليّ كلام فلان» والمعنى: كرهته.
وقيل: هو حقيقة وفي الحديث: «إنَّهُ يُمَثَّلُ لَهُ عَمَلُهُ بِصُورَةٍ قَبِيْحَةٍ مُنْتِنَةِ الرِّيح فَيَحمِلُها» وهو قول قتادَةَ، والسُّدي، وخُصَّ الظَّهْرُ، لأنه يُطيق من الحَمْل ما لا يُطِيقُهُ غيره من الأعْضَاءِ كالرأس والكَاهِل، وهذا كما تقدم في قوله: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام: 7] ، {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} لأن اليد أقوى في الإدراك اللَّمْسِيِّ من غيرها.