فهرس الكتاب

الصفحة 736 من 1771

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) }

«فَإِنْ قِيلَ» : فأي معنى لهذا التكرار؟

قيل: المهاجرون كانوا على طبقات، وكان بعضهم أهل الهجرة الأولى، وهم الذين هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكَّة، وكان بعضهم ذا هجرتين، هجرة الحبشة، والهجرة إلى المدينة، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى ومن الثانية الهجرة الثانية.

قوله تعالى: {والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ} .

هؤلاء هم القسم الرابع من مؤمني زمان محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، الذين لم يوافقوا الرسول في الهجرة، إلاَّ أنهم بعد ذلك هاجروا إليه وجاهدوا معه.

واختلفوا في قوله «مِنْ بعْدُ» فقال الواحدي، عن ابن عبَّاسٍ «بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية» .

وقيل: بعد نزول هذه الآية، وقيل: بعد يوم بدر، والأصحُّ أنَّ المراد: والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى، وهؤلاء هم التابعون، بإحسان، كما قال: {والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100] والصحيح: أنَّ الهجرة انقطعت بفتح مكَّة، لأنَّ مكة صارت بلد الإسلام.

وقال الحسن: «الهجرة غير منقطعة أبداً» . وأما قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «لا هجْرةَ بعْدَ الفَتْحِ» فالمراد الهجرة المخصوصة، فإنَّها انقطعت بالفتح وبقوة الإسلام، أما لو اتفق في بعض الأمان كون المؤمنين في بلد، وهم قليلون، وللكافرين معهم شوكة، وإن هاجروا المسلمون من تلك البلدة إلى بلد آخر ضعفت شوكة الكفار فهاهنا تلزمهم الهجرة على ما قاله الحسن؛ لأنَّ العلة في الهجرة من مكة إلى المدينة قد حصلت فيهم.

قوله {فأولئك مِنكُمْ} أي: معكم، يريد: أنتم منهم وهو منكم.

ثم قال: {وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله} .

قالوا: المراد بالولاية ولاية الميراث، قالوا هذه الآية ناسخة؛ لأنَّهُ تعالى بيَّن أنَّ الإرث كان بسبب الهجرة والنصرة، والآن بعد نسخ ذلك فلا يحصل الإرث إلاَّ بسبب القرابة.

وقوله: {فِي كِتَابِ الله} أي: السهام المذكورة في سورة النّساء، وأمَّا الذين فسَّروا الولاية بالنَّصرة والتَّعظيم قالوا: إنَّ تلك الولاية لمَّا كانت محتملة للولاية بسبب الميراث بين الله تعالى في هذه الآية أنَّ ولاية الإرث إنَّما تحصل بسبب القرابة، إلاَّ ما خصَّ الدليل، فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة هذا الوهم.

فإن قيل تمسكوا بهذه الآية في أن الإمام بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هو علي بن أبي طالب، لقوله: {وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ} [الأنفال: 75] فدل على ثبوت الأولوية، وليس في الآية شيء معين في ثبوت هذه الأولوية؛ فوجب حمله على الكل، إلاَّ ما خصّه الدَّليل، فيندرج فيه الإمامة، ولا يجوزُ أن يقال: إنَّ أبا بكر من أولي الأرحام، لما نقل أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أعطاه سورة براءة ليبلغها إلى القوم ثم بعث علياً خلفه وأمر أن يكون المبلغ هو علي، وقال: «لا يُؤدِّيها إلاَّ رجلٌ مِنِّي» وذلك يدلُّ على أنَّ أبا بكر ما كان منه.

والجوابُ: إن صحَّت هذه الدلالة كان العباس أولى بالإمامةِ؛ لأنَّهُ كان أقرب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مِنْ عليٍّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت