فهرس الكتاب

الصفحة 1289 من 1771

{يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) }

أقسم بالقرآن على أن محمداً من المرسلين. وهو رد على الكفار، حيث قولوا: (لَسْتَ مُرْسَلاً) .

«فَإِنْ قِيلَ» : المطلب ثبت بالدليل لا بالقسم فما الحكمة بالإقْسَام؟

فالجَوابُ من وجوه:

الأول: أن العرب كانوا يتقون الأيمان الفاجرة وكانوا يقولون بأن الأيْمَان الفاجرة توجب خراب العالم وصحح النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - ذلك بقوله: «اليَمينُ الكَاذِبَةُ تَدَعُ الدِّيَارَ [[بَلاَقِعَ]

ثم إنهم كانوا يقولون: إن النبي عليه - الصلاة و (السلام - يصيبه عذاب آلهتهم، وهي الكواكب والنبي عليه الصلاة والسلام يحلف بأمر الله وإنزال كلامه عليه بأشياء مختلفة، وما كان يصيبه عذاب، بل كان كل يوم أرْفَعَ شَأْناً وأمْنَعَ مَكَاناً، فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب.

الثاني: أن المُتَنَاظِرَيْنِ إذا وقع بينهما كلام، وغلب أحدهما الآخر بتمشية دليله وأسكته يقول المغلوب: إنك قدرت هذا بقوة جدالك، وأنت خبير في نفسك بضعف مقالتك، وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه الدليل صورة، وعجزت

أنا عن القدح فيه وهذا كثير الوقوع بين المُتَناظِرَيْنِ فعند هذا لا يجوز أن يأتي هو بدليل آخر؛ لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما قاله في الأول، فلا يجد أمراً إلا باليمين فيقول: وَاللَّهِ إنِّي لَسْتُ مُكَابِراً، وإنَّ الأمر على ما ذكرت ولم علمت خلافه لرَجَعْتُ إليه فهاهنا يتعين اليمين، فكذلك النبي عليه الصلاة والسلام أقام البراهين، وقالت الكفرة: {مَا هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ} [سبأ: 43] وقالوا {لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الأحقاف: 7] فالتمسك بالأيْمان لعدم فائدة.

الدليل الثالث: أن هذا ليس مجرد الحلف بل دليل خرج في صورة اليمين؛ لأن القرآن معجزة ودليل كَوْنه مُرْسَلاً هو المعجزة والقرآن كذلك.

«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ لَمْ يذكر في صورة الدليل. وما الحكمة في صورة اليمين؟

فالجواب: أن الدليل إذا ذكر لا في صورة اليمين، قد لا يُقْبِلُ عليه السامع فلا يفيد فائدة، فإذا ابتدأ به على صورة اليمين لا يقع ولا سيما من العظيم إلا على عظيم، والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصْغاء إليه فلصورة اليمين تقبل عليه الأسماع لكونه دليلاً شافياً يتشربه الفؤاد فيقع في السمع وفي القلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت