«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يقال: العذاب خير أم جنة الخلد؟
وهل يجوز أن يقول العاقل: السكر أحلى أم الصبر؟
فالجواب: هذا يحسن في معرض التقريع كما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ويقول له: أهذا خير أم ذلك؟
قال أبو مسلم: جنة الخلد: هي التي لا ينقطع نعيمها، والخلد والخلود سواء كالشكر والشكور، قال تعالى: {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} [الإنسان: 9] .
«فَإِنْ قِيلَ» : الجنة اسم لدار مخلدة، فأي فائدة في قوله: «جَنَّةُ الخُلْدِ» ؟
فالجواب: الإضافة قد تكون للتبيين، وقد تكون لبيان صفات الكمال، كقوله تعالى: «الخَالِقُ البَارِئ» وهذا من هذا الباب.
«فَإِنْ قِيلَ» : إن الجنة ستصير للمتقين جزاء ومصيراً لكنها بعد ما صارت كذلك، فلم قال الله {كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً وَمَصِيراً} ؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن ما وعده فهو في تحققه كأنه قد كان؛ ولأنه قد كان مكتوباً في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم الله بأزمنة متطاولة أن الجنة جزاؤهم (ومصيراً) .
قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} هو نظير قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تشتهي أَنفُسُكُمْ} [فصلت: 31] ، {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس} [الزخرف: 71] .
«فَإِنْ قِيلَ» : أهل الدرجات النازلة إذا شاهدوا الدرجات العالية لا بد وأن يريدوها، فإذا سألوها ربهم، فإن أعطاها لم يبق بين الناقص والكامل تفاوت في الدرجة، وإن لم يعطها قدح ذلك في قوله {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ} ، وأيضاً فالأب إذا كان ولده في دركات النيران وأشد العذاب فلو اشتهى أن يخلصه الله تعالى من ذلك العذاب، (فلا بد وأن يسأل ربه أن يخلصه منه) ، فإن فعل قدح ذلك في أن عذاب الكافر مخلد، وإن لم يفعل قدح ذلك في قوله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تشتهي أَنفُسُكُمْ} [فصلت: 31] ، وفي قوله: {لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ} .
والجواب أن الله تعالى يزيل هذا الخاطر عن قلوب أهل الجنة ويشتغلون بما هم فيه من اللذات عن الالتفات إلى حال غيرهم.