فهرس الكتاب

الصفحة 1288 من 1771

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ...(45)}

«مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ» يعني على ظهر الأرض كناية عن غير مذكور، وتقدم نظيرها في النحل، إلاَّ أن هناك لم يجر للأرض ذكر بل عاد الضمير على ما فُهِمَ من السِّياق، وهنا قد صرح بها في قوله: {فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض} فيعود الضمير إليها لأنها أقرب، وأيضاً فلقوله: {مِنْ دَابَّةٍ} والدب إنما يكون على ظهر الأرض، وهنا قال: «عَلَى ظَهْرِهَا» استعارة من ظهر الدابة دلالة على التمكن والتقلب عليها والمقام هنا يناسب ذلك لأنه حيث على السير للنظر والاعتبار.

قوله: {مِن دَآبَّةٍ} أي كما في زمن نوح - عليه الصلاة والسلام أهلك الله ما على ظهر الأرض من كان في السفينة مع نُوحٍ.

«فَإِنْ قِيلَ» : إذا كان الله يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدوَابِّ يهلكون؟

فالجواب من وجوه:

أحدهما: أن خلق الجواب نعمة فإذا كفر الناس يزيل الله النعم والدوابّ أقرب النعم، لأن المفردَ (أولاً) ثم المركب والمركب إما أن يكون معدناً وإما أن يكون نامياً والنامي إما أن يكون حيواناً أو نباتاً والحيوان إما إنساناً أو غير إنسان فالدوابّ أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر للإنسان.

الثاني: أن ذلك بيان لشدة العذاب وعمومه فإن بقاء الأشياء بالإنسان كما أنَّ بقاء الإنسان بالأشياء لأن الإنسان يدبر الأشياء ويصلحها فتبقى الأشياء ثم ينتفع بها

الإنسان فإذا كان الهلاك عاماً لا يبقى من الإنسان من يُعَمِّر فلا يبقى الأبنية والزروع فما تبقى الخيرات الإلهية فإن بقاءها لحفظ الإنسان إياها عن التلف والهلاك السَّقْي الْقَلْبِ.

الثالث: أن إنزال المطر إنعام من الله في حق العباد فإذا لم يستحقوا الأنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فتموت جميع الحيوانات.

«فَإِنْ قِيلَ» : كيف يقال لما عليه الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض مع أن الظهر مقابلهُ الوجه فهو كالتضاد؟

فيقال: من حيث إنَّ الأرض كالدابة الحاملة للأثقال والحمل يكون على الظهر وأما وجه الأرض فلأن الظاهر من باب والبطن والباطن نم باب ووجه الأرض ظهر لأنه هو الظاهر وغيره منها باطن وبطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت