فهرس الكتاب

الصفحة 1462 من 1771

{قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ(27)}

«فَإِنْ قِيلَ» : القائل هنا واحد وقال: رَبَّنَا ما أطغيته ولم يقل: ربِّ وفي كثير من المواضع القائل واحد وقال: ربّ، كقوله: {رَبِّ أَرِنِي} وقال نوح: {رَّبِّ اغفر لِي} {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض} {رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ} {رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً} «رَبِّ فَأَنْظِرْنِي» ؟

فالجَوابُ: أن في جميع تلك المواضع القائل طالب، ولا يحسن أن يقول الطالب يا رب أعطني وإنما يحسن أن يقول: أعطِنا لأن كونه: «رَبًّا» لا يناسب تخصيصَ الغَالِبِ. وأما هنا فالموضع موضع هبة وعظَمة وعرض حال فقال: ربنا ما أطغيته.

«فَإِنْ قِيلَ» : ما الوجه في اتِّصاف الضَّلالِ بالبُعْدِ؟

فالجواب: أن الضلال يكون أكثر ضلالاً من الطريق فإذا تَمَادى في الضلال وبقي فيه مدة يبعد عن المقصِد كثيراً، وإذا عدم الضلال قَصُرَت الطريق عن قريب فلا يبعد عن المقصد كثيراً فقوله: «ضلال بعيد» وصف للمصدر بما يوصف به الفاعل، كما يقال: كلامٌ صَادقٌ، وعيشةٌ راضيةٌ أي وضلال ذو بعد والضلال إذا بعد مَدَاه وامتد الضلال فيه فيصير بَيِّناً ويظهر الضلال لأن من حَادَ عن الطريق وبَعُد عنه يبعد عليه الصواب ولا يرى للمقصد أثراً فبيَّن له أنه ضلّ عن الطريق، وربما يقع في أَوْدِيَةٍ ومَفاوزَ تظهر له أماراتُ الضلال بخلاف من حَادَ قليلاً، فالضلال وصفه الله بالوصفين في كثيرٍ من المواضع، فتارةً قال: {في ضلال مبين} ، وأخرى: {في ضلال بعيد} .

«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قال: (ما أطغيته) مع أنه قال: «لأغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» ؟

فالجواب من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يقول إن قول الشيطان: أعتدته بمعنى زَيَّنْتُ له.

والثاني: أن تكون الإشارة إلى حالين، ففي الحالة الأولى أنا فعلت به ذلك إظهاراً للانتقام مِنْ بني آدم وتصحيحاً لقوله: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82] ثم إذا رأى العذاب وهو معه مشترك يقول: رَبَّنَا ما أَطْغَيْتُه فيرجع عن مقاله عند ظهور العذاب.

والثالث: أن المراد من قوله: «لأغوينهم» أي لأُديمنّهم على الغِوَاية كما أنّ الضالّ إذا قال له شخص: أنت على الجَادَّة فلا تترُكها، يقال: إنه يضله. كذا هاهنا، فقوله: «ما أطغيته» أي ما كان ابتداء الإطغاء مِنِّي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت