تمييز: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ محذوف، لفهم المعنى، تقديره: اثْنَتَيْ عشرة فرقةٌ، و «اسْبَاطاً» بدلٌ من ذلك التمييز. وإنَّما قلتُ إن التَّمييزَ محذوفٌ، ولم أجعل أسْبَاطاً هو المُمَيِّز لوجهين، أحدهما: أنَّ المعدودَ مُذَكَّر؛ لأنَّ أسْبَاطاً جمع «سِبْط» فكان يكون التركيبُ: اثني عشر.
الثاني: أنَّ تمييز العدد المركَّبِ، وهو من «أحد عشر» إلى «تِسْعَة عَشَرَ» مفردٌ منصوبٌ وهذا - كما رأيت - جمع، وقد جعله الزمخشريُّ تمييزاً له معتذراً عنه، فقال:
فإن قلت: مُمَيِّزٌ ما عدا العشرة مفردٌ، فما وجهُ مجيئه جمعاً؟
وهلاَّ قيل: اثني عشر سِبْطاً!؟
قلتُ لو قيل ذلك، لم يكن تحقيقاً؛ لأن المُرادَ وقطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عشْرَةَ قبيلة، وكلُّ قبيلة أسباط لا سِبْط، فوضع «أسْبَاطاً» موضع «قبيلة» ؛ ونظيره قوله: [الرجز]
2597 - بَيْنَ رَمَاحَيْ مَالِكِ ونَهْشَلِ ... قال أبُو حيان: وما ذهب إليه من أنَّ كلَّ قبيلةٍ أسباط خلافُ ما ذكره النَّاسُ،
ذكروا أن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب. وقالوا: الأسْبَاطُ جمع وهم الفرق، والأسباطُ في ولد إسحاق كالقبائل في ولد إسماعيل، ويكون على زعمه قوله تعالى: {وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط} [البقرة: 136] معناه: والقبيلةُ، وقوله: «وهو نظير قوله: بين رماحي مالكٍ ونهشَلِ» ليس بنظيره، لأنَّ هذا من باب تثنية الجمع، وهو لا يجوزُ إلا في ضرورةٍ، وكأنَّهُ يشيرُ إلى أنه لوْ لمْ يُلْحَظُ في الجمع كونُه أُريد به نوعٌ من الرِّمَاحِ لم تَصِحَّ التثنية، كذلك هنا لُحِظَ في «الأسْبَاط» - وإن كان جمعاً - معنى القبيلة فمُيِّزَ به كَما يُمَيَّزُ بالفرد.
وقال الحُوفِيُّ: يجوز أن يكون على الحذفِ، والتقديرُ: اثنتي عشرة فرقةً أسبَاطاً ويكون «أسْبَاطاً» نعتاً ل «فرقة» ، ثم حذف الموصوفُ، وأقيمت الصِّفةُ مقامه و «أمَماً» نعتٌ لأسباط، وأنَّثَ العدد، وهو واقعٌ على الأسباطِ وهو مذكَّرٌ، وهو بمعنى فرقة أو أمة كما قال: [الوافر]
2598 - ثَلاثَةُ أنْفُسٍ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . .
يعني: رجلاً، وقال: [الطويل]
2599 - ... ... ... ... . عَشْرُ أبْطُنٍ ... ... ... ... ... ... ... ... . .
بالنَّظَرِ إلى القبيلةِ، ونظيرُ وصف التمييزِ المقرر بالجمعِ مراعاةً للمعنى قول الشَّاعر: [الكامل]
2600 - [[فِيهَا اثْنَتَانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُوداً كَخَافِيَةِ الغُرابِ الأسْحمِ] ]
فوصف «حَلُوبَةً» وهي مفردة لفظاً ب «سُوداً» وهو جمع مراعاةً لمعناها، إذ المرادُ الجمع.
وقال الفراء: إنَّما قال: «اثْنَتَيْ عَشْرَةَ» والسِّبْطُ مذكر؛ لأنَّ ما بعده «أمم» فذهب التأنيث إلى الأمم، ولو كان «اثني عشر» لتذكير السبط لكان جائزاً.
واحتج النحويون على هذا بقوله: [الطويل]
2601 - وإنْ قريشاً هذه عَشْرُ أبْطُنٍ ... وأنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قَبَائِلهَا العَشْرِ
ذهب بالبطْن إلى القبيلةِ، والفصيلة، لذلك أنَّثَ، والبطن ذَكَرٌ.
وقال الزَّجَّاج: المعنى: وقطَّعْنَاهُمْ اثنتي عشرةَ فرقةً أسْبَاطاً، من نعتِ فرقة كأنَّهُ قال: جَعَلْنَاهُم أسباطاً وفرَّقناهم أسباطاً، وجوَّز أيضاً أن يكون «أسْبَاطاً» بدلا من اثْنَتَيْ عَشْرَةَ: وتبعه الفارسيُّ في ذلك.
وقال بعضهم: تقديرُ الكلامِ: وقطعناهم فرقاً اثْنَتَيْ عشرَةَ، فلا يحتاجُ حينئذٍ إلى غيره.
وقال آخرون: جعل كلَّ واحدٍ من الاثنتي عشرةَ أسباطاً، كما تقولُ: لزيد دراهم، ولفلانٍ دراهمُ: فهذه عشرون دراهم يعني أن المعنى على عشرينات من الدَّراهِم.
ولو قلت: لفلان، ولفلان، ولفلان عشرون درهماً بإفراد «درهم» لأدَّى إلى اشتراك الكُلِّ في عشرين واحدة، والمعنى على خلافه.
وقال جماعةٌ منهم البَغَوِيُّ: «في الكلامِ تقديمٌ وتأخير تقديره: وقطعناهم أسباطاً أمماً اثنتي عشرة» .
وقوله: أمماً إمَّا نعتٌ ل «أسْبَاطاً» ، وإمَّأ بدل منها بعد بدلٍ على قولنا: إنَّ «اسْبَاطاً» بدلٌ من ذلك التَّمييز المقدَّر.
وجعلهُ الزمخشريُّ أنه بدل من «اثْنَتَيْ عَشْرَة» ؛ قال: بمعنى: «وقطَّعْنَاهم أمَماً» ، لأنَّ كل أسباط كانت أمَّةً عظيمةً وجماعة كثيفة العدد، وكلُّ واحد تؤمُ خلاف ما تؤمُّهُ الأخرى فلا تكادُ تأتلف». انتهى.