فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 1771

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(134)}

«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ دخلتِ الفاءُ في جواب الشَّرْط، وعنده - تعالى - ثوابُ الدُّنْيَا والآخِرِة، سواءً حصلت هذه الإرادة أم لا.

قلنا: تقدير الكلام: فعند الله ثوابُ الدُّنْيَا والآخِرَة له إن أرَادَهُ، وعلى هذا التَّقْدِير يتعلَّق الجَزَاءُ بالشَّرْط.

وجَوَّز أبو حيَّان - وجعله الظَّاهر - أنَّ الجواب مَحْذُوفٌ، تقديره: من كان يريد ثواب الدُّنيا فلا يَقْتَصِر عليه، وليَطْلُبِ الثَّوابَيْن، فعند الله ثوابُ الدَّارَيْن.

والثاني: أنها موصولةٌ ودخلت الفاءُ في الخَبَر؛ تشبيهاً له باسم الشَّرْط، ويُبْعِده مُضِيُّ الفِعْلِ بعده، والعائدُ مَحْذُوفٌ؛ كما تقرَّر تَمْثِيلُه.

ومعنى الآية: أن هؤلاء الَّذِين يُريدُون بِجِهَادِهم الغَنِيمَة فقط مُخْطِئون؛ لأنَّ عند اللَّه [ثَوَابَ] الدُّنيا والآخِرَة، فلم اكْتَفَى بطلَبِ ثَوَابِ الدُّنْيا، مع أنه كَانَ كالعَدَمِ بالنِّسْبَة إلى ثَوَاب الآخِرَة، ولو كان عَاقِلاً، لطلب ثواب الآخِرَة؛ حتى يَحْصُل له ذلك، ويَحْصُل له ثوابُ الدُّنْيَا تَبَعاً.

قال القُرْطُبِيُّ: من عَمِل بما افْتَرَضَهُ اللَّه عليه طلباً للآخِرَة، آتاه اللَّه ذلك في الآخِرَة، ومن عمل طَلَباً للدُّنْيَا، آتاه ما كُتِب له في الدُّنْيَا، وليس لَهُ في الآخِرَة من نَصِيبٍ؛ لأنه عَمِل لغير اللَّه لقوله - تعالى: {أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار} [هود: 16] وهذا على أن يكون المُرَاد بالآية: المُنافِقُون والكُفَّار، {وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً} : يسمع كَلاَمَهُم أنهم لا يَطْلُبون من الجِهَاد سِوَى الغَنِيمَةِ، ويرى أنَّهم لا يَسْعوْن في الجِهَاد، ولا يَجْتَهِدُون فيه، إلا عِنْد توقُّعِ الفَوْزِ بالغنيمَةِ، وهذا كالزَّجْرِ عن هَذِه الأعْمَالِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت