فهرس الكتاب

الصفحة 801 من 1771

{فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(94)}

قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: كيف قال لرسوله: «فإن كُنت في شكٍّ» مع قوله للكفرة: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} [هود: 110] ؟

قلت: فرقٌ عظيم بين إثباته والتَّمثيل».

وقال أبو حيان: فإذا كانت شرطية فقالوا: إنَّها تدخلُ على الممكن وجوده أو المحقَّقِ وجوده، المبهم زمن وقوعه، كقوله تعالى: {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون} [الأنبياء: 34] قال: «والذي أقوله إنَّ «إن» الشرطية تقتضي تعليق شيءٍ على شيءٍ، ولا تستلزمُ تحقُّقَ وقوعه ولا إمكانه، بل قد يكونُ ذلك في المستحيل عقلاً كقوله تعالى {إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين} [الزخرف: 81] ، ومستحيلٌ أن يكون له ولدٌ فكذلك مستحيلٌ أن يكون في شك، وفي المستحيل عادة كقوله تعالى: {فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرض} [الأنعام: 35] لكنَّ وقوعها في تعليق المستحيل قليلٌ».

ثم قال: «ولمَّا خفي هذا الوجه على أكثر النَّاس؛ اختلفوا في تخريج هذه الآية فقال ابن عطيَّة: الصَّواب أنَّها مخاطبةٌ له، والمرادُ من سواه من أمته ممن يمكنُ أن يشُكَّ أو يعارض؛ كقوله: {يا أَيُّهَا النبي اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين} [الأحزاب: 1] وقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ويدلُّ على ذلك قوله في آخر السورة: {يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي} [يونس: 104] وأيضاً لو كان شاكّاً في نبوة نفسه؛ لكان شك غيره في نبوته أولى، وهذا يوجب سقوطُ الشريعة بالكلية، وأيضاً فبتقدير أن يكون شاكّاً في نبوَّةِ نفسه، فكيف يزول هذا الشك بإخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم كفار، وإن كان قَدْ حصل فيهم مؤمن إلاَّ أن قوله ليس بحجة، لا سيَّما وقد تقرَّر أنهم حرَّفُوا التوراة، والإنجيل؛ فثبت أنَّ هذا الخطابَ وإن كان في الظَّاهر مع الرسول إلاَّ أنَّ المراد هو الأمة، وعلى هذا فإنَّ الناس في زمانه كانوا فرقاً ثلاثة: المصدقون، والمكذبون، والمتوقفون في أمره الشَّاكون فيه، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: أيُّها الإنسان: {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ} من الهدى على لسان محمد فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحَّة نُبوَّته» .

ولمَّا ذكر الله تعالى لهم ما يزيل الشَّك عنهم، حذَّرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني، وهم المكذِّبون، فقال: {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله} [يونس: 95] الآية.

وقيل: كنى بالشَّك عن الضِّيق.

وقيل: كنى به عن العجب، وجه المجازِ فيه أنَّ كُلاًّ منهما فيه تردُّد، وقال الكسائيُّ: إن كنت في شكٍّ أنَّ هذه عادتُهُم مع الأنبياء؛ فسلهم كيف صبر موسى - عليه السلام -؟

وقيل: إنه تعالى علم أنَّ الرسول لم يشك في ذلك، إلاَّ أنَّ المقصود منه أنَّهُ متى سمع هذا الكلام فإنَّهُ يصرخ ويقول «يا ربّ لا أشك، ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب، بل يكفيني ما أنزلته عليَّ من الدلائل الظاهرة» ونظيره قوله تعالى للملائكة: {أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] والمقصودُ أن يُصرِّحُوا بالجواب الحق ويقولوا: {سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن} [سبأ: 41] .

وكقوله لعيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله} [المائدة: 116] والمقصود منه أن يصرح عيسى بالبراءة عن ذلك. وقيل: التقدير إنَّك لسيت بشاك البتة. ولو كنت شاكاً لكان لك طرق كثيرة في إزالة الشَّك كقوله تعالى {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] أي: أنه لو فرض ذلك الممتنع واقعاً؛ لزم فيه المحال الفلاني، فكذا هاهنا، ولو فرضنا وقوع الشَّك فارجع إلى التَّوراةِ، والإنجيل لتعرف بهما أنَّ هذا الشك زائل.

والوجه الثاني من وجهي إنْ أنَّها نافيةٌ. قال الزمخشري: «أي: فما كنتَ في شكٍّ فاسأل، يعنى لا نأمرك بالسُّؤال لكونكَ شاكاً، ولكن لتزداد يَقِيناً كما ازداد إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - بمعاينة إحياء الموتى» وهذا القول سبقه إليه الحسنُ البصريُّ والحسينُ بنُ الفضل، وكأنَّهُ فرارٌ من الإشكال المتقدِّم في جعلها شرطية، وقد تقدَّم جوابه من وجوهٍ.

قال القرطبي: قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزَّاهد: سمعت الإمامين: ثَعْلباً والمبرد يقولان: معنى: «فإن كُنتَ في شكٍّ» أي: قُلْ يا محمَّدُ للكافر: فإن كُنتَ في شكٍّ {فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ} .

وقال الفراء: أعْلمَ اللهُ أنَّ رسولهُ غير شاكٍّ، لكنَّه ذكره على عادة العرب، يقول الواحدُ لعبده: إن كنت عبدي فأطِعْني، ويقول لولده افعل كذا إن كنت ولدي، ولا يكونُ ذلك شكّاً.

وقال الفقيه: وقال بعضهم: هذا الخطاب لمنْ كان لا يقطعُ بتكذيب محمدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - ولا بتصديقه بل كان في شكٍّ.

وقيل: المراد بالخطاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمعنى: لو كنت ممَّن يلحقك شكٌّ فيما أخبرناك به، فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشَّكَّ.

والمراد بالشَّك هنا: ضيق الصدر، أي: إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر واسأل الذين يقرَؤونَ الكتابَ من قَبْلكَ، يُخْبِرُوكَ صَبْرَ الأنبياء من قبلك على أذى قومهم وكيف كان عاقبة أمرهم. والشَّكُّ في اللغةِ: أصله الضِّيق، يقال: شكَّ الثَّوب، أي: ضمَّهُ بخلال حتى يصير كالوعاء، فالشكُّ يقبض الصدر، ويضمه حتَّى يضيق.

(فصل)

قال المُحَقِّقُون: المراد بالذين يقرءون الكتاب: المؤمنون من أهْلِ الكتابِ، كعبد الله بن سلام، وعبد الله بن صوريا، وتميم الدارين وكعب الأحبار، لأنَّهُم هم الذين يوثق بأخبارهم.

وقال بعضهم: المراد الكل سواء كانوا من المسلمين أم من الكُفَّار؛ لأنَّهم إذا بلغُوا عدد التواتر، وقرؤوا آية من التَّوراة، والإنجيل، وتلك الآية دالة على البشارة بمقدمِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد حصل الغرضُ.

وقرا يحيى، وإبراهيم: الكتب بالجمع، وهي مبنيةٌ أنَّ المراد بالكتاب الجنسٌ لا كتابٌ واحد.

«فَإِنْ قِيلَ» : إن كتبهم قد دخلها التَّحريفُ والتَّغييرُ، فكيف يمكنُ التعويلُ عليها؟

فالجَوابُ: أنهم إنما حرَّفُوها لإخفاء الآيات الدَّالة على نبوَّةِ محمدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ -، فإن بقيت فيها آيات دالة على نبوته؛ كان ذلك من أقوى الدَّلائل على صحَّة نبوَّة محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ - لأنَّها لمَّا بقيت مع توفر دواعيهم على إزالتها دلَّ ذلك على أنَّها كانت في غاية الظهور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت