فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 1771

قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء}

الضمير في «بَيْنَهُم» يجوز أن يعود على اليَهُود والنَّصَارى؛ لتقديم ذكرهم، ولاندراج الصِنْفَيْن في قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الكتاب} [المائدة: 19] ، ويجُوزُ أن يعُودَ على اليَهُود وحْدَهُم، لأنَّهُم فِرَقٌ مُخْتَلِفَةٌ، فعلى هذين قال الحسن ومجاهد: يعني بين اليَهُود والنَّصارى، لأنَّ ذكرهم جرى في قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى} [المائدة: 51] ، وقيل: بين فِرَق اليهُود، فإنَّ بعضهم جَبْرِيَّةٌ، وبعضَهم قَدَرِيَّةٌ، وبعضهم مُوَحِّدَة، وبعضهم مُشَبِّهَة، وكذلك بين فرقِ النَّصَارى كالمَلْكَانِيَّة والنَّسْطُوريَّةِ واليَعْقُوبِيَّةِ.

«فَإِنْ قِيلَ» : فهذا المعنى حَاصِلٌ بين فرقِ المُسْلمين، فكيف يمكن جعلهُ عَيْباً في اليَهُودِ والنَّصَارى؟

فالجواب: أنَّ هذه البدَعَ إنَّما حدثَتْ بعدَ عصر الصَّحَابةِ والتَّابعين، أما في ذلك الزَّمَانِ فلم يكن شَيءٌ من ذَلِك، فلا جَرَمَ حَسُنَ جَعْل ذلك عَيْباً في اليَهُود والنَّصَارى.

ووجْهُ اتِّصَال هذا الكلام بما قَبْلَهُ: أنَّه تعالى بيَّن أنَّهُم إنَّما يُنْكِرُون نُبُوَّتَه بعد ظُهُور الدَّلائِلِ على صِحَّتِها لأجل الحَسَدِ، ولأجل حُبِّ الجَاه والمال والسَّعادة، فلمَّا رجَّحُوا الدُّنْيَا على الآخِرَة لا جَرَم حَرَمهم سعادَة الدِّين، فلذلك حَرمَهم سَعَادةَ الدُّنْيَا؛ لأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُم مُصِرٌّ على مذهبه، ومُبَالِغٌ في نصرته، ويَطْعَنُ في كل ما سِوَاه من المذاهِب تَعْظِيماً لِنَفْسِه وتَرْويجاً لمذهَبِهِ، فصار ذلك سَبَباً لوقوع الخُصُومَة الشَّدِيدَة بين فرقِهم، انْتَهى الأمر فيه إلى أنَّ بَعْضَهُم يُكَفِّر بَعْضاً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت