فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 1771

{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ(128)}

«فَإِنْ قِيلَ» : ظاهر هذه الآية يدل على أنها وردت للمنع من أمرٍ كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يريد أن يفعلَه، وذلك الفعل إن كان بأمر الله، فكيف يمنعه منه؟

وإن كان بغير أمر الله، فكيف يصح هذا مع قوله تعالى:

{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى} [النجم: 3] ؟

وأيضاً فالآية دالة على عصمة الأنبياء، فالأمر الممنوع منه في هذه الآية، إن كان حَسَناً فلِمَ منعه اللهُ؟

وإن كان قبيحاً، فكيف يكون فاعله معصوماً؟

فالجواب من وجهين:

الأول: أن المنعَ من الفعل لا يدل على أن الممنوع كان مُشْتَغَلاً به؛ فإنه تعالى - قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ، وإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يُشْرِك قط، وقال: «يا أيها النبي اتق الله» وهذا لا يدل على أنه ما كان يتقي الله، ثم قال: {وَلاَ تُطِعِ الكافرين} [الأحزاب: 1] ، وهذا لا يدل على أنه أطاعهم، والفائدة في هذا المنع أنه لما حصل ما يوجب الغَمَّ الشديد، والغضب العظيم، وهو قَتْل عمه حمزةَ، وقتل المسلمين. والظاهر أن هذا الغضب يَحْمِل الإنسان على ما لا ينبغي من القول والفعل، فنصَّ الله على المنع؛ تقويةً لِعصْمَته، وتأكيداً لطهارته.

والثاني: لعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ همَّ أن يفعلَ، لكنه كان ذلك من باب تَرْك الأفضل، والأوْلَى، فلا جرم، أرشده الله تعالى إلى اختيار الأوْلَى، ونظيره قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله} [النحل: 126 - 127] فكأنه - تعالى - قال: إن كان لا بد أن تعاقب ذلك الظالمَ فاكتفِ بالمثل، ثم قال ثانياً: وإن تركته كان ذلك أوْلَى، ثم أمره أمراً جازِماً بتَرْكِه، فقال: {واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله} [النحل: 127] .

ووجه ثالث: وهو أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما مال قلبه إلى اللعنة عليهم، استأذن ربه فيه، فنزلت الآية بالنص على المنع. وعلى هذا التقدير، فلا يدل هذا النهي على القدح في العِصْمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت