فهرس الكتاب

الصفحة 1211 من 1771

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)}

«فَإِنْ قِيلَ» : أبرز اسم «الله» في الآية الأولى عند البدء، فقال: {كيف يبدىء الله} وأضمره عند الإعادة، وهاهنا أضمره عند البدء، وأبرزه عند الإعادة فقال: {ثُمَّ الله يُنشِئُ النشأة الآخرة} ؟

فالجَوابُ: أنه في الآية الأولى: لم يسبق ذكر الله بفعل حتى يسند إليه البداء فقال: {كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده} ، كقول: ضرب زيد عمراً ثم ضرب بكراً، ولا يحتاج إلى إظهار اسم «زيد» اكتفاء الأول.

وفي الثانية: كان ذكر البدء مسنداً إلى الله فاكتفى به، ولم يبرزه، وأما إظهاره عند الإنشاء ثانياً، فقال: {ثُمَّ الله يُنشِئُ} مع أنه كان يكفي أن يقول: «ثم ينشىء» النشأة الآخرة لحكمة بالغة وهي أن مع إقامة البرهان على إمكان الإعادة أظهر اسمه، حتى يفهم المسمى به صفات كماله، ونعوت جلاله، فيقطع بجواز الإعادة فقال: «ثم الله» مظهراً لينفع في ذهن الإنسان جلّ اسمه كمال قدرته، وشمول علمه، ونفوذ إرادته، فيعترف بوقوع بدئه، وجواز إعادته.

«فَإِنْ قِيلَ» : فلم لم يقل: «ثُم اللَّهُ يعيده» بعين ما ذكرت من الحكمة؟

فنقول: لوجهين.

أحدهما: أن الله كان مظهراً مبرزاً بقرب منه وهو في قوله: «يبدئُ الله الخلق» ، ولم يكن بينهما إلا لفظ الخلق، وأما هنا فلم يذكر غير البدء فأظهره.

وثانيهما: أن الدليل هنا تم على جواز الإعادة، لأن الدليل منحصر في الآفاق وفي الأنفس، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ} [فصلت: 53] ففي الآية الأولى أشار إلى الدليل الحاصل للإنسان من نفسه، وفي الثانية أشار إلى الدليل الحاصل من الآفاق، لقوله: {سيروا في الأرض} وعندها تم الدليلان فأكده بإظهار نفسه، وأما الدليل الأول فأكده بالدليل الثاني فلم يقل: {ثم الله يعيده}

«فَإِنْ قِيلَ» : قال في الأولى: {أولم يروا كيف يبدئُ الله الخلق} بلفظ المستقبل وهاهنا قال: {فانظروا كيف بدأ} بلفظ الماضي، فما الحكمة؟

فالجواب: أن الدليل الأول النفسي الموجب للعلم، وهو يوجب العلم ببدء الخلق.

وأما الدليل الثاني فمعناه إن كان ليس لكم علم بأن الله يبدأ الخلق) فانظروا إلى الأشياء المخلوقة، فيحصل لكم العلم بأن الله بدأ خلقاً، وتحصل من هذا القدر بأنه «ينشئُ»

«فَإِنْ قِيلَ» : قال في هذه الآية: {إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، وقال في الأولى: {إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ} فما فائدته؟

فالجَوابُ: فيه فائدتان:

أحدهما: أن الدليل الأول هو الدليل النفسي وهو وإن كان موجباً للعلم التام، ولكن عند انضمام الدليل الآفاقي إيه يحصل العلم التام لأنه بالنظر في نفسه علم حاجته إلى غيره ووجوده منه فتم علمه بأن الله على كل شيء قدير، أن كل شيء من الله، فقال عند تمام الدليل: إن الله على كل شيء قدير، وقال عند الدليل الواحد إن ذلك على الله يسير وهو الإعادة.

الفائدة الثانية: أن العلم الأول أتم، وإن كان الثاني أعم، وكون الأعم يسيراً على الفاعل أتم من كونه مقدوراً به، بدليل قولك لمن يحمل مائة مَنٍّ أنه قادر عليه، ولا يقول: إنه سهل عليه فإذا سئلت عن حمله عشر أمنات يقول ذلك سهل يسير، فنقول كان التقدير إن لم يحصل لكم العلم التام بأن هذه الأمور عند الله سهل يسير فسيروا في الأرض ليعلموا أنه مقدور، ونفس كونه مقدوراً كاف في إمكان الإعادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت