اعلم أن السيادةَ إشارة إلى أمرين:
أحدهما: القدرة على ضبط مصالح الخَلْق فيما يرجع إلى تعليمِ الدين.
والثاني: ضبط مصالحهم في تأديبهم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
والحصور إشارة إلى الزهد التام، فلما اجتمعا حصلت النبوة؛ لأنه ليس بعدهما إلا النبوة.
قوله: {مِّنَ الصالحين} صفة لقوله: {وَنَبِيّاً} فهو في محل نصب، وفي معناه ثلاثة أوجهٍ:
الأول: معناه من أولاد الصالحين.
الثاني: أنه خَيِّر - كما يقال للرجل الخَيِّر: إنه من الصالحين.
الثالث: أن صلاحه كان أتمَّ من صلاح سائر الأنبياء؛ لقوله - عليه السلام: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إلاَّ عَصَى وَهَمّ بِمَعْصِيَةٍ إلاَّ يحيَى بن زكريا، فإنه لم يَعْصِ ولم يَهِمَّ بمعصيةٍ» .
«فَإِنْ قِيلَ» : إن كان منصب النبوة أعلى من منصب الصلاح، فما الفائدة في ذكر منصب الصلاح بعد ذكر النبوة؟
فالجواب: أن سليمان - بعد حصول النبوة - قال: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين} [النمل: 19] .
وتحقيقه أن للأنبياء قدراً من الصلاح لو انتقص لانتفت النبوة، فذلك القدر - بالنسبة إليهم - يجري مجرى حفظ الواجبات - بالنسبة إلينا - وبعد اشتراكهم في ذلك القدر تتفاوت درجاتُهم في الزيادة على ذلك القدر، فكلما كان أكثر نصيباً كان أعلى قَدْراً. والله أعلم.