فهرس الكتاب

الصفحة 1117 من 1771

«فَإِنْ قِيلَ» : لم نكر الماء في قوله: «مِنْ مَاءٍ» وعرفه في قوله: {مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] ؟

فالجواب: جاء هاهنا منكراً لأنّ المعنى: خلق كلّ دابة من نوع من الماء مختصاً بتلك الدابة، وعرفه في قوله: {مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] لأنّ المقصود هناك: كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وهاهنا بيان أنّ ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة.

قوله: {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي} .

إنما أطلق «مَنْ» على غير العاقل لاختلاطه بالعاقل في المُفَضَّل ب «مِن» وهو «كُلَّ دَابَّةٍ» . وكان التعبير ب «مَنْ» أولى ليوافق اللفظ.

وقيل: لَمَّا وَصَفَهُمْ بِما يُوصف به العقلاء وهو المشيُ أطلق عليها «منْ» وفيه نظرٌ، لأن هذه الصفة ليست خاصةً بالعقلاء، بخلاف قوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} [النحل: 17] .

واستعير المشي للزَّحف على البطن، كما استعير المشفر للشفة وبالعكس، كما قالوا في الأمر المستمر: قد مشى هذا الأمر، ويقال: فلان ما يمشي له أمر.

«فَإِنْ قِيلَ» : لم حصر القسمة في هذه الثلاثة أنواع من المشي، وقد تجد من يمشي على أكثر من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلات والحيوان الذي أربعة وأربعون رجلاً؟

فالجواب: هذا القسم الذي لم يذكر كالنادر، فكان ملحقاً بالعدم. وأيضاً قال النقاش: إنه اكتفى بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر، لأنّ جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهي قوام مشيه، وكثرة الأرجل لبعض الحيوان زيادة في الخِلْقَة، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها. قال ابن عطية: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلاً، بل هي محتاج إليها في نقل الحيوان، وهي كلها تتحرك في تصرفه.

وجواب آخر وهو أن قوله تعالى: {يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ} كالتنبيه على سائر الأقسام.

وفي مصحف أبيّ بن كعب: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَكْثَر» فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان، ولكنه قرآن لم يثبت بالإجماع.

قوله: {يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لأنه هو القادر على الكل، والعالم بالكل، فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات، فأي عقل يقف عليها؟

وأي خاطر يصل إلى ذَرَّة من أسرارها؟

بل هو الذي يخلق ما يشاء كما يشاء، ولا يمنعه منه مانع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت