فهرس الكتاب

الصفحة 1436 من 1771

(لطيفة)

وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ أَبْرَزَ الْفَاعِلَ وَهُوَ اللَّهُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَيُتِمَّ وَبِقَوْلِهِ وَيَهْدِيَكَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ (اللَّهِ) عَلَى الْوَجْهِ الْحَسَنِ فِي الْكَلَامِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْكَثِيرَةَ إِذَا صَدَرَتْ مِنْ فَاعِلٍ يَظْهَرُ اسْمُهُ فِي الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَظْهَرُ فِيمَا بَعْدَهُ تَقُولُ: جَاءَ زَيْدٌ وَتَكَلَّمَ، وَقَامَ وَرَاحَ، وَلَا تَقُولُ: جَاءَ زَيْدٌ، وَقَعَدَ زيد اختصارا للكلام بالاقتصار على الأول، وهاهنا لَمْ يَقُلْ وَيَنْصُرَكَ نَصْرًا، بَلْ أَعَادَ لَفْظَ (اللَّهِ)

فَنَقُولُ هَذَا إِرْشَادٌ إِلَى طَرِيقِ النَّصْرِ، وَلِهَذَا قَلَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ النَّصْرَ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ، فَقَالَ تَعَالَى: (بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ) وَلَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ يَنْصُرُ، وَقَالَ: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ) وَلَمْ يَقُلْ بِالنَّصْرِ، وَقَالَ: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) وَقَالَ: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) وَلَمْ يَقُلْ نَصْرٌ وَفَتْحٌ، وَقَالَ: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وَهَذَا أَدَلُّ الْآيَاتِ عَلَى مَطْلُوبِنَا، وَتَحْقِيقُهُ هُوَ أَنَّ النَّصْرَ بِالصَّبْرِ، وَالصَّبْرَ بِاللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: (وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) [النَّحْلِ: 127] وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّبْرَ سُكُونُ الْقَلْبِ وَاطْمِئْنَانُهُ، وَذَلِكَ بِذِكْرِ الله، كما قال تَعَالَى: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) فلما قال هاهنا (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ) أَظْهَرَ لَفْظَ اللَّهِ ذِكْرًا لِلتَّعْلِيمِ أَنَّ بِذِكْرِ اللَّهِ يَحْصُلُ اطْمِئْنَانُ الْقُلُوبِ، وَبِهِ يحصل الصبر، وبه يتحقق النصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت