يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
فأذَّن فقال عَتَّاب بن أُسَيد بن أبي العيِص: الحمُ لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم. وقال الحارث بن هشام: أما وَجَدَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ هذا الغراب الأسود مؤذناً؟
وقال سُهَيْل بن عَمْرو: إن يرد اللهُ شيئاً يُغَيِّرْهُ. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به ربُّ السماوات فأتى جبريل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره بما قالوا: فدعاهم عما قالوا فأقروا فأنز لالله عزَّ وجلَّ هذه الآية وزَجَرَهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال، والإزْرَاءِ بالفقراء.
«فَإِنْ قِيلَ» : هذه الآية تدل على عَدَمِ اعْتِبَارِ النَّسَبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ لِلنَّسَبِ اعْتِبَارًا عُرْفًا وَشَرْعًا، حَتَّى لَا يَجُوزَ تَزْوِيجُ الشَّرِيفَةِ بِالنَّبَطِيِّ، فَنَقُولُ إِذَا جَاءَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ لَا يَبْقَى الْأَمْرُ الْحَقِيرُ مُعْتَبَرًا، وَذَلِكَ فِي الْحِسِّ وَالشَّرْعِ والعرف، أما الحسن فَلِأَنَّ الْكَوَاكِبَ لَا تُرَى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ولجناح الذباب دوي ولا يسمع عند ما يَكُونُ رَعْدٌ قَوِيٌّ، وَأَمَّا فِي الْعُرْفِ، فَلِأَنَّ مَنْ جَاءَ مَعَ الْمَلِكِ لَا يَبْقَى لَهُ اعْتِبَارٌ وَلَا إِلَيْهِ الْتِفَاتٌ، إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فِيهِمَا فَفِي الشَّرْعِ كَذَلِكَ، إِذَا جَاءَ الشَّرَفُ الديني الإلهي، لا يبقى الأمر هُنَاكَ اعْتِبَارٌ، لَا لِنَسَبٍ وَلَا لِنَشَبٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَافِرَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْلَى النَّاسِ نَسَبًا، وَالْمُؤْمِنَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَدْوَنِهِمْ نَسَبًا، لَا يُقَاسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَكَذَلِكَ مَا هو من الدين مَعَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا يَصْلُحُ لِلْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ كَالْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ كُلُّ شَرِيفٍ وَوَضِيعٍ إِذَا كَانَ دَيِّنًا عَالِمًا صَالِحًا، وَلَا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْهَا فَاسْقٌ، وَإِنْ كَانَ قُرَشِيَّ النَّسَبِ، وَقَارُونِيَّ النَّشَبِ، وَلَكِنْ إِذَا اجْتَمَعَ فِي اثْنَيْنِ الدِّينُ الْمَتِينُ، وَأَحَدُهُمَا نَسِيبٌ تَرَجَّحَ بِالنَّسَبِ عِنْدَ النَّاسِ لَا عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى [النَّجْمِ: 39] وَشَرَفُ النَّسَبِ لَيْسَ مُكْتَسَبًا وَلَا يَحْصُلُ بِسَعْيٍ.
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا الْحِكْمَةُ فِي اخْتِيَارِ النَّسَبِ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ التَّفَاخُرِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَالَ؟ نَقُولُ الْأُمُورُ الَّتِي يُفْتَخَرُ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً لَكِنَّ النَّسَبَ أَعْلَاهَا، لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ يَحْصُلُ لِلْفَقِيرِ فَيَبْطُلُ افْتِخَارُ الْمُفْتِخِرِ بِهِ، وَالْحُسْنُ وَالسِّنُّ، وَغَيْرُ ذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتٍ دَائِمٍ، وَالنَّسَبُ ثَابِتٌ مُسْتَمِرٌّ غَيْرُ مَقْدُورِ التَّحْصِيلِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ فَاخْتَارَهُ اللَّهُ لِلذِّكْرِ وَأَبْطَلَ اعْتِبَارَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّقْوَى لِيُعْلَمَ مِنْهُ بُطْلَانُ غَيْرِهِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى.
«فَإِنْ قِيلَ» : إِذَا كَانَ وُرُودُ الْآيَةِ لِبَيَانِ عَدَمِ جَوَازِ الِافْتِخَارِ بِغَيْرِ التَّقْوَى فَهَلْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا خَلَقْناكُمْ فَائِدَةٌ؟ نَقُولُ نَعَمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَرَجَّحُ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَرَجَّحَ بِأَمْرٍ فِيهِ يَلْحَقُهُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَرَجَّحَ عَلَيْهِ بِأَمْرٍ هُوَ قَبْلَهُ، وَالَّذِي بَعْدَهُ كَالْحُسْنِ وَالْقُوَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالَّذِي قَبْلَهُ فَإِمَّا رَاجِعٌ إِلَى الْأَصْلِ الَّذِي مِنْهُ وُجِدَ، أَوْ إلى الفاعل الذي هو له أوجد، كم يُقَالُ فِي إِنَاءَيْنِ هَذَا مِنَ النُّحَاسِ وَهَذَا مِنَ الْفِضَّةِ، وَيُقَالُ هَذَا عَمَلُ فُلَانٍ، وَهَذَا عَمَلُ فُلَانٍ، فَقَالَ تَعَالَى لَا تَرْجِيحَ فِيمَا خَلَقْتُمْ مِنْهُ لِأَنَّكُمْ كُلُّكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَلَا بِالنَّظَرِ إِلَى جَاعِلِينَ لِأَنَّكُمْ كُلُّكُمْ خَلَقَكُمُ اللَّهُ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَكُمْ تَفَاوُتٌ يَكُونُ بِأُمُورٍ تَلْحَقُكُمْ وَتَحْصُلُ بَعْدَ وُجُودِكُمْ وَأَشْرَفُهَا التَّقْوَى وَالْقُرْبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.