فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 1771

(فصل)

الاصطفاء - في اللغة - الاختيار فمعنى اصْطَفاهُم: أي: جعلهم صفوةَ خلقه تمثيلاً بما يُشَاهَد من الشيء الذي يُصَفَّى من الكدورة، ويقال: صفَّاهم صَفْوَةً، وصِفْوَةً، وصُفْوَةً.

ونظير هذه الآية قوله - لموسى: {إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس} [الأعراف: 144] .

وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الأخيار} [ص: 47] وفي الآية قولان:

أحدهما: المعنى أن الله اصطفى دين آدمَ ودين نوح - على حذف مضاف - كما تقدم.

الثاني: أن الله اصطفاهم؛ أي: صفَّاهم من الصفاتِ الذميمة، وزينهم بالصفات الحميدة، وهذا أولى لعدم الاحتياج إلى الإضمار، ولموافقة قوله: {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] .

فصل

قيل: اختار الله آدم بخمسة أشياءٍ:

أولها: أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته.

الثاني: أنه علَّمه الأسماء كلَّها.

الثالث: أنه أمر الملائكة أن يسجدوا له.

الرابع: أنه أسكنه الجنة.

الخامس: أنه جعله أبا البشر.

واختار نوحاً بخمسة أشياءٍ:

أولها: أنه جعله أبا البشر - بعد آدم -؛ لأن الناس كلَّهم غرقوا، وصار ذريته هم الباقين.

الثاني: أنه أطال عمره، ويقال: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله» .

الثالث: أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين.

الرابع: أنه حمله على السفينة.

الخامس: أنه كان أول من نسخ الشرائع، وكان قبل ذلك لم يُحَرَّم تزويج الخالات والعمات.

واختار إبراهيم بخمسة أشياءٍ:

أولها: أنه خرج منها جراً إلى ربه ليَهْدِيه.

الثاني: أنه اتخذه خليلاً.

الثالث: أنه أنجاه من النار.

الرابع: أنه جعله للناس إماماً.

الخامس: أنه ابتلاه بالكلمات فوفقه حتى أتمهن.

وأما آل عمران فإن كان عمران أبا موسى وهارون فإنهم اختارهما على العالمين؛ حيث أنزل على قومهما المن والسلْوى، وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم وإن كان عمران أبا مريم فإنه اصطفى مريم بولادة عيسى من غير أب، ولك لم يكن لأحد من العالمين والله أعلم.

فصل

ذكر الحليمي في كتابه - المنهاج للأنبياء - قال: لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القُوَى الجسمانية، والقوى الروحانية، أما القوى الجسمانية، فهي إما مُدْرِكة، وإمَّا محرِّكة؛ أما المدركة فهي إما الحواس الظاهرة، وإما الحواس الباطنة، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة:

أحدها: القوة الباصرة، فكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مخصوصاً بكمال هذه الصفة، لقوله: «زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها» وقوله: «أقيموا صفوفكم وتراصوا؛ فإني أراكم من وراء ظهري» ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم - عليه السلام - قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السماوات والأرض} [الأنعام: 75] وذكر في تفسيرها أنه - تعالى قَوَّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل.

قال الحليمي: وهذا غير مُسْتبعَد؛ لأن البُصراء يتفاوتون، فيُرْوَى أن زرقاء اليمامةِ كانت تُبْصِر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام، فلا يبعد أن يكون بَصَرُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أقْوَى من بصرها.

وثانيها: القوة السامعة، فكان - عليه السلام - أقوى الناسِ في هذه القوة؛ لقوله: «أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى» .

وسمع أطيط السماء وسمع دوياً فذكر أنه هويّ صخرة قذفت في جهنم، فلم تبلغ مقرها إلى الآن.

قال الحليمي: ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا؛ فإنهم زعموا أن فيثاغورث راضَ نفسه حتى سمع حفيف الفلك. ونظير هذه القوة لسليمان - عليه السلام - في قصة النملة حيث قالت: {ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ}

[النمل: 18] فالله - تعالى - أسمع سليمان كلامَ النملة، وأوقفه على معناه وحصل ذلك لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين تكلم مع الذئب والبعير والضَّبِّ.

وثالثها: تقوية قوة الشَّمِّ، كما في حق يعقوب - حين قال: {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} [يوسف: 94] فأحسّ بها من مسيرة ثلاثة أيامٍ.

ورابعها: تقوية قوة الذوقِ، كما في حق نبيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين قال: «إن هذا الذراع يخبرني بأنه مسموم» .

خامسها: تقوية قوة اللمس، كما في حق الخليل - عليه السلام - حيث جُعِلَتْ له النارُ بَرْداً وسلاماً وكيف يستبعد هذا ويُشَاهَد مثلُه في السَّمَنْدَل، والنعامة.

وأما الحواس الباطنة فمنها: قوة الحفظ، قال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى} [الأعلى: 6] ، ومنها: قوة الذكاء: قال عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: علمني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ألف باب من العلم، واستنبط من كلّ باب ألف باب. فإذا كان حال الولي هكذا فكيف حال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟

أما القوى المحرِّكة، فمثل عروج الرسول إلى المعراج، وعروج عيسى حيًّا إلى السماء، ورَفْع إدريس وإلياس - على ما وردت به الأخبار - قال تعالى: {قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] .

وأما القوة الروحانية العقلية، فلا بد أن تكون في غاية الكمال، ونهاية الصفاء، إذا

عرفت هذا فقوله: {إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحاً} معناه أن الله اصطفى آدم، إمَّا من سكان العالم السفلي - على قول من يقول: الملك أفضل من البشر - أو من سكان العالم العلويّ والسفليّ - على قول من يقول: البشر أفضل المخلوقات - ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة، من أولاد آدم، وهم شيث وأولاده، إلى إدريس، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم حصل من إبراهيم شعبتان: إسماعيل وإسحاق فجعل إسماعيل مبدأ لظهور الروح القدسية لنبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وجعل إسحاق مبدأ لشعبتين يعقوب وعيصو، فوضع النبوة في نسل يعقوب ووضع الملك في نسل عيصو، واستمرَّ ذلك غلى زمان نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلما ظهر محمد نُقِل نور النبوة، ونور الملك إليه، وبقيا - أعني الدين والملك لا تباعد بينهما إلى قيام الساعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت