(فصل)
دلَّت الآية على أنَّهُم إنَّمَا طلبوا منافعَ الآخرةِ بحُكْم الوعدِ لا بحُكْم الاستحقاق؛ لقولهم: {وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ} ثم قالوا: {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد} وهذا يدلُّ على أنَّ المقتضي لحصول منافع الآخرةِ هُوَ الوَعْدُ لا الاستحقاقُ.
«فَإِنْ قِيلَ» : متى حصل الثوابُ لزم اندفاعُ العقابِ لا محالةَ، فلما طلبوا الثَّوابَ بقولهم: {وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا} كيف طلبوا ترك العقاب بقولهم: {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة} بل لو طلب ترك العقاب - أولاً - ثم طلب الثَّوابَ بعده لاستقام الكلامُ؟
فالجوابُ من وجهينِ:
الأول: أن الثَّوابَ شرطه أن يكون منفعة مرونة بالتعظيم والسرور، فقوله: {وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا} المراد منه المنافعُ وقوله: {وَلاَ تُخْزِنَا} المرادُ منه التعظيمُ.
الثاني: ما تقدم من أنَّ المقصودَ طلب التوفيق إلى الطاعة، والعصمة عن المعصية، كأنه قيل: وفقنا للطاعات، وإذا وفقتنا فاعصمنا عما يبطلها، ويوقعنا في الخزي. وعلى هذا يحسن النظم.