الاحتجاج به أن يتثبت كثيرًا ولا يرويه إلا بعد معرفة سنده من عند المؤلف إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى فرض أن هذا الحديث موجود في كتب السنة فوجوده لا يكفي حتى تعرف صلاحيته للاحتجاج فكم من حديث مروي في كتب الحديث معروف من رواه ومن أخرجه ولكنه عند أهل الحديث غير صالح للاحتجاج كما لا يخفى على كل من له إلمام بكتب السنة المطهرة على صاحبها وعلى آله أفضل الصلوات والتسليم وعلى فرض بأنه صالح للاحتجاج من جهة سنده لا يكفي بل لا بد أن يكون صالحًا للاحتجاج به من جهة المتن أي من جهة دلالة الحديث على الحكم المطلوب بأن يكون صريحًا في الدلالة على عدم مشروعية الضم في الصلاة وهذا الحديث ليس فيه أيُّ دلالة على عدم مشروعية الضم في الصلاة لأن التكفير في اللغة ليس هو ضم اليد اليمنى فوق اليد اليسرى ووضعهما على الصدر حال القيام كما جاء في السؤال وهذه كتب اللغة العربية التي بين أيدينا لم تصرح بأن التكفير هو و ضع اليد اليمني على اليسرى حال القيام ولا فسرت التكفير بهذا التفسير الذي جاء في السؤال بل إن كتب اللغة العربية تفسر التكفير بمعنى الانكسار قال العلامة ابن منظور اللغوي المشهور في كتابة"لسان العرب"ما نصه"التكفير أن ينحني الإنسان يطأطأ رأسه قريبًا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه"وفي الحديث كان يكره التكفير في الصلاة وهي الإنحاء الكثير في حالة القيام قبل الركوع هكذا قال ابن منظور في تفسير التكفير وهو من أكبر علماء اللغة ولم يذكر وضع إحدى اليدين على الأخرى حال القيام أما العلامة اللغوي الفيروزبادي فقد قال في"القاموس المحيط"والتكفير في المعاصي كالإحباط في الثواب وأن يخضع الإنسان لغيره وتتويج الملك بتاج إذا رؤي كفر له أي رآه رعيته لهذا التاج المخصوص خضعوا له ولم يذكر وضع إحدى اليدين على الأخرى ويقول صاحب القاموس أيضًا والكفر تعظيم الفارسي ملِكَه، ويقول مرتضى الزبيدي في شرح القاموس المسمى بـ"تاج العروس"شارحًا لقول مؤلف القاموس والكفر التعظيم ومفسرًا هذا التعظيم ما نصه وهو أي هذا التعظيم إيماء لرأس من غير سجود وعلى فرض أن هذا الحديث موجود في كتب السنة وأنه صحيح أو حسن أي صالح للاحتجاج به وأن معنى التكفير هو وضع إحدى اليدين على الأخرى حال القيام في الصلاة فهذا الحديث سيكون معارضًا للأحاديث الكثيرة الدالة على مشروعية الضم [1] في حال القيام في الصلاة الذي قد بلغ رواتها حد التواتر كما صرَّح بذلك الشيخ محمد بن جعفر الكتاني في كتابه"نظم المتناثر من الحديث المتواتر"حيث عدَّدَ رواتها من الصحابة فبلغوا تسعة عشر صحابيًا , ومن التابعين فبلغو ستة فتكون جملة من رواه خمسة وعشرين والتواتر يكون بأقل من هذا العدد وهؤلاء الصحابة الذين ذكرهم الكتاني هم سهل بن سعد الساعدي , ووائل بن حجر الحضرمي , وعبد الله بن مسعود , و علي بن أبي طالب , وابن الزبير , وأبو هريرة، وجابر بن عبدالله , والحارث بن غطيف , وعمر بن حريث المخزومي , ويعلي بن مرة الثقفي , وعبدالله بن عمر , وأبو الدرداء , وحذيفة , وعائشة , وابن عباس , وأنس , وشداد بن شرحبيل , ومعاذ بن جبل.
أما التابعون فهم سفيان عن غير واحد من الصحابة ومرسل طاووس , والحسن البصري , وعطاء بن أبي رباح , وإبراهيم النخعي , وعند التعارض يكون الرجوع إلى الترجيح فيرجح حديث مشروعية الضم لكونه متواترًا على الحديث الدال على عدم المشروعية لكونه أحاديًا وهذا على فرض أنه صالح للإحتجاج به وأنه صريح في الدلالة على المقصود ودون تسليم ذلك مفاوز وعقبات هذا ما خطر ببالي حول موضوع هذا السؤال وقد سبق الجواب مني بأن مسألة الضم مسألة خلافية وأن كل من ذهب إلى القول بالمشروعية أو إلى القول بعدم المشروعية قد ذهب إلى ما أداه إليه اجتهاده بعد أن بذل الوسع وتحرى بقدر الإمكان ولكل مجتهد أجرًا أما رأيي الشخص في هذه المسألة فهو أن الضم مشروع على جهة السنة أو الاستحباب ومن فعله فقد أحسن ومن تركة فلا إثم عليه. هذا والله سبحانه ولي الهداية والتوفيق.
س: ما قولكم فيمن يقول بأن الصلاة باطلة إذا لم يضم الإنسان؟
جـ: هذا رجل متعصب متقول على الله ما لم يقل فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أن صلاة المصلي حالة كونه غير ضام يديه على صدره حال القيام باطلة أصلًا وهكذا لم يقل بهذا القول أحد من الصحابة ولا من التابعين أو أئمة المذاهب المتبوعين أبدًا وهكذا لم يرد في حديث المسيء صلاته [2] ولم يقل له ضع كفك الأيمن على كفك الأيسر حال الصلاة وهكذا
(1) منها ما ورد في: صحيح مسلم: كتاب الصلاة: باب وضع اليد اليمنى على اليسرى. حديث رقم (608) بلفظ: عن وائل بن حجر أنه (رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر وصف همام حيال أذنيه ثم التحف بثوبه ثم وضع يده اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ثم رفعها ثم كبر فركع فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه) .
أخرجه النسائي في الافتتاح 869 , 872 , التطبيق 1147 , وأبو داود في الصلاة 621 , 622 , وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها 802 , 857 , وأحمد في أول مسند الكوفيين 78089 , 18102 , والدارمي في الصلاة 1213 , 1224.
(2) صحيح البخاري: كتاب الأذان: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت. حديث رقم (724) بلفظ: عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد فدخل رجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى فسلم فرد وقال: (ارجع فصل فإنك لم تصل) فرجع يصلي كما صلى ثم جاء فسلم على رسول الله عليه وسلم فقال ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثا فقال والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني فقال إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا وافعل ذلك في صلاتك كلها).
أخرجه مسلم في الصلاة 602 , والترمذي في الصلاة 279 , والنسائي في الافتتاح 874 , وأبو داود في الصلاة 730 , وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها 1050 , الأدب 3685 , وأحمد في باقي مسند المكثرين 9260.
أطراف الحديث: الأذان 751., الاستئذان 5782 , الأيمان والنذور 6174.