الفسق ها هنا ليس المراد به هو العصيان بارتكاب إحدى الكبائر كما هو اصطلاح المتأخرين بل المراد به هو النفاق أي إظهار الإسلام وإخفاء الكفر وذلك لأن تخصيص اسم الفاسق بمن يرتكب الكبائر من المسلمين اصطلاح حادث ولا يفسر به القرآن ولأن عدم الصلاة في هذه الآية كانت بمجموع شيئين وهما الكفر والفسق لا الفسق وحده ولأن هذه الآية نزلت من عبدالله بن أبي رئيس المنافقين ولم يكن ممن يرتكب الكبائر مثل جريمة شرب الخمر وغيرها من الكبائر وإنما كان يبطن الكفر ويظهر الإسلام فلا تكن هذه الآية حجة على المنع من الصلاة على الميت إذا كان فاسقًا أي مرتكبًا لإحدى الكبائر ومن الأدلة على المنع من الصلاة على لميت الفاسق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع عن الصلاة على قاتل نفسه وقال (أما أنا فلا أصلي عليه) [1] وأجيب عن هذا الدليل أن قوله أما أنا فلا أصلي عليه يدل بمفهومه على أن غيره لا مانع له من الصلاة عليه أي أما أنا فلا اصلي عليه وأما غيري فلا مانع له من الصلاة عليه وعلى فرض أنه ليس منه ما يدل على هذا المفهوم فهذا الدليل أخص من الدعوى لأنه في قاتل نفسه وهو أعظم جريمة من شارب الخمر ومن الأدلة على المنع من الصالة على الميت الفاسق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بعد أن سئل عن صلاته على المرأة التي رجمها حدًا لاعترافها بالزنا لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لكفتهم فإنه يدل على أن المجوز لصلاته - صلى الله عليه وسلم - على هذه المرأة المرجومة حدًا هو التوبة الخالصة التي وقعت منها ومفهومه يدل على أن هذه المرأة لا يصلى عليها إذا لم تكن قد تابت. ولا أدري ما سيكون جواب المجوزين للصلاة على الفاسق الذي لم يتب على هذا الحديث الصحيح.
س: أفتونا ما حكم الصلاة على الميت المسلم إذا كان في حياته لا يؤدي الصلاة ويشرب الخمر؟
جـ: لقد اختلف العلماء في حكم تارك الصلاة وعلى شارب الخمر وعلى غيرهم من الفاسقين:
القول الأول: عد الصلاة على الفاسق وهو قول أهل المذهب الهادوي الزيدي وهو المنصوص عليه في الأزهار.
القول الثاني: أنه لا مانع من الصلاة على الفاسق. وقد احتج المانعون للصلاة على الفاسق بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - (لم يصل على قاتل نفسه) [2] وأجيب عنهم بأن هذا الدليل أخص من الدعوى لأن قاتل نفسه أخص من الفاسق ولأن ذنبه أعظم واحتجوا بقوله تعالى: (ولا تعمل على أحد منهم مات ولا تقم على قبره أنهم كفروا بالله وماتوا وهم فاسقون) [3] وأجيب عنهم بأن الفاسقين في هذه الآية هم المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر لأن الآية نزلت في عبدالله بن أبي وليس المراد بالفاسقين هم العصاة المرتكبين للكبائر. والأحوط هو الصلاة على الفاسق الذي قدم على ربه وسأل الله المغفرة له.
س: حدث أن شخصًا توفي وكان في حياته لا يؤدي الصلاة المفروضة عليه كمسلم فهل يشرع للمسلمين بأن يقوموا بأداء صلاة الجنازة عليه أو أنه لا يشرع له ذلك أفتونا مأجورين؟
جـ: الجواب هو أن تارك الصلاة مرتكب لأعظم ذنب من الذنوب العظيمة بل قد قيل عنه بأنه كافر والكلام حول هذا الموضوع طويل جدًا.
والخلاصة عن العلماء اختلفوا في حكم تارك الصلاة عمدًا تساهلًا منه لا جحودًا فقيل هو كافر وقيل هو فاسق فمن قال بأنه كافر احتج بحديث العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه الترمذي في كتاب الإيمان بإسناد صحيح وبحديث بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ومن قال بأنه فاسق قال بأن التكفير يحتاج إلى دليل قطعي السند والدلالة كما أنه قد ألزم القائلين بالتكفير أنهم يكفرون كل من حكم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه قد كفر مثل من أتى كاهنًا أو عرفًا فصدقه فقد كفر. وقالوا: المراد بالكفر هو كفر النعمة وعلى القول بتكفير تارك الصلاة فمن مات وهو لا يصلي فلا يكفن ولا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين بل يخرج إلى الصحراء ويحفر له حفرة ويدفن بثيابه لأنه لا حرمة له ولا كرامة وعلى القول بأنه فاسق عاص لله وليس بكافر فحكمه حكم سائر الفساق كشارب الخمر الملعون صاحبها والزاني واللوطي وغيرهم من مرتكبي الكبائر ولقد اختلف العلماء في حكم الصلاة على الفاسق هل هي من الجائز شرعًا أم من المحرمات فذهب جماعة من العلماء إلى أن الصلاة على الفاسق غير جائزة وأن من مات فاسقًا لا يصلي عليه ولكنه يدفن في مقبرة المسلمين وهذا الرأي هو المنصوص عليه عند علماء الهادوية في جميع كتب الفقه كأصول الأحكام للإمام أحمد بن سليمان وشفاء الأوام للأمير الحسين بن محمد والبحر الزخار ومتن الأزهار للإمام المهدي احمد بن يحيى المرتضي وغيرها من كتب الفقه الهادوي وذهب جماعة من العلماء إلى أن الصلاة على الفاسق جائزة لأنه داخل في
(1) سبق ذكره في هذا الباب من حديث ابن سمرة - رضي الله عنه - في سنن النسائي برقم (1938) .
(2) سبق ذكره في هذا الباب من حديث ابن سمرة - رضي الله عنه - في سنن النسائي برقم (1938) .
(3) سورة التوبة: آية 84.