جـ: قلت لكم أننا جمعنا بين الحديثين المتعارضين وحينما توجد أحاديث متعارضة يقدم الجمع بينها على الترجيح لأن الجمع مهما أمكن فهو الأولى.
س: ما حكم الهروب من أرض المعركة؟
جـ: الفرار من الزحف كبيرة من كبائر الإثم ولكن الإسلام جوَّز التحول إلى فئة أو إلى مكان آخر ليقاتل منه إما إلى مكان مرتفع أحسن من الذي هو فيه أو إلى أقرب مكان فيه ماء. أو إلى أن منطقة أحسن من التي هو فيها.
فلا يسمى فرارًا من الزحف. والتحول إلى بقعة أحسن أو إلى جماعة من جماعات المجاهدين فيجوز للمتحول ولا يصدق عليه أنه فر فرارًا من الزحف. الفرار المحرم هو الذي يفر من أرض المعركة إلى بيته أو بلاده أو إلى أيِّ مكان إذا كان فراره تركًا للمعركة والجهاد بخلاف من يفر من موقع إلى موقع استراتيجي أحسن منه أو ينضم إلى جماعة من جماعات المجاهدين ليتقوى بهم.
س: هل يجوز للمسلم عند مواجهة الكفار الانسحاب والفرار من المعركة؟
جـ: لا يجوز له أن يفر وينسحب لأنه يسبب شيء بين المسلمين من الضعف إلا إذا كان متحرفًًا لقتال ينسحب إلى بقعة مرتفعة بحيث يستطيع القضاء عليهم. أو متحيزًا إلى فئة أي ينظم إلى جماعة آخرين من أجل أن يهجموا مرة واحدة عليهم فلا بأس. أما إذا كان سيهرب فهو ممنوع شرعًا وهو من الكبائر وثبت في الصحيحين وغيرهما (أن الفرار من الزحف من السبع الموبقات) [1] يعني من الكبائر.
ومثله الذين يهربون بالجملة من المعركة وإن اختلفت مسوغات الفرار. وإذا كان الإنسان سيفر إلى جماعة أخرى من المجاهدين فهو جائز. بدليل (أو متحيزًا إلى فئة) مثلًا كان في سرية لا يوجد فيها ماء وهرب إلى سرية فيها ماء فلا بأس، أو كان في وادي فارتفع إلى الجبل لكي يقضي عليهم من فوق الجبل، بل هو أولى ولا يسمى هذا فرارًا أو ليس عليه ذنب. إنما الذنب لمن سيفر من الجيش إلى غير رجعة.
س: في معركة مؤتة عاد خالد بن الوليد بالجيش من المعركة. ولم يسمهم النبي صلى الله علية و سلم فرارين بل قال (أنتم الكرارون أنا فئتكم) [2] ؟
(1) صحيح البخاري: كتاب الحدود: باب قذف المحصنات. حديث رقم (2767) بلفظ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ
أخرجه مسلم في الإيمان 129, والنسائي في الوصايا 3611, وأبو داود في الوصايا 2490.
أطراف الحديث: الطب 5322, والحدود 6351.
معاني الألفاظ: ... الموبقات: الذنوب المهلكة.
(2) صحيح البخاري: كتاب الغزوات: باب غزوة مؤتة من أرض الشام. حديث رقم (4260) بلفظ: َأَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرٍ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ قَتِيلٌ فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي دُبُرِهِ يَعْنِي فِي ظَهْرِهِ.
وحديث رقم (4261) بلفظ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَوَجَدْنَاهُ فِي الْقَتْلَى وَوَجَدْنَا مَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ.