فهرس الكتاب
الذي قبر في مسجد من المساجد التي عمرت للصلاة ولذكر الله أو لعالم يعلم الناس العلم النافع أو لمتعلم يتعلم من العلماء ولم يقبر في مقبرة إخوانه من الموتى ولا هو الميت الذي يقصده الناس ويشدون إليه الرحال ويدعونه من دون الله أو يستغيثون به كما يستغاث بالله أو يطلبون منه مالا يطلب إلا من الله أو يتوسلون به إلى الله سبحانه وتعالى ويرجون منه أن يشفي مرضاهم وأن يفرج الهم عن المكروب منهم أو أن يجعل العقيم من النساء ولودًا أو الباغضة لزوجها ودودا ومنهم من يقصدها ويشد الرحال لزيارتها مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد قال في حديثه الصحيح (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى) [1] ومنهم من قبر ميتًا في مسجد قد وقفه الواقف للصلاة ولذكر الله ولعالم أو متعلم في حين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن الصلاة في المقابر وعن الصلاة على القبور أو إلى القبور ومنهم من صار يدعو أصحاب القبور في حين أنه يتلو قول الله صباحًا ومساءًا (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًًا) [2] ومنهم من بات يعتقد أن عمل الميت ينفعه إذا اعتقد فيه أو نذر له أو ذبح له أو استغاث به. في حين أنه يسمع قول الله (وان ليس للإنسان إلا ما سعى) [3] وقول الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم - (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له [4] ... الخ الحديث. فالرسول يقول إن الميت بمجرد موته ينقطع عمله ويصبح غير قادر على أي عمل ثم يستثني أشياء منها أنه أي الميت ينتفع بدعاء ولده الصالح الذي يدعو لوالده، فالحي وهو الولد الصالح قد صار بدعائه ينفع والده الميت الذي قد انقطع عمله وهؤلاء المغفلون أو الدجالون أو المشعوذون يعكسون القضية فيجعلون الحي الذي لا يزال على قيد الحياة متمكنًا من العمل محتاجًا إلى الميت ليشفي مريضه أو ينصر مظلومه أو يجعل العقيم ولودًا أو الباغضة ودودًا أو يشفع للحي العاصي أو يُفرج عن المنكوب والمكروب والمهموم والمغموم فيا ليت شعري ما هو الذي حملهم على هذا الرأي المعكوس أو على هذا الاعتقاد المنكوس حتى جعلوا القادر على السعي والعمل يطلب الشفاء والشفاعة والنصر ممن قد انقطع عمله وسعيه وهكذا أقول إن الأولياء ليسوا هم أصحاب القبور الذين يقصدهم العوام من كل فج عميق يطلبون منهم الشفاعة عند الله معتقدين أن الأموات سينفعونهم أو يضرونهم وغير ذلك من العقائد التي ليست من الإسلام في شيء والإسلام ونبي الإسلام منها براء بل والتي جاء الإسلام بمحوها والقضاء عليها. فهذه الأعمال كلها جاء الإسلام بتحريمها والنهي عنها ولكن الكثير من المسلمين جهلوا ما جاء عن نبي الإسلام وما صرحت به الآيات الكريمة من القرآن أو تجاهلوها وأصبحت عند الكثير من المغفلين والدجالين كأنها من الإسلام مع أنها من البدع ومن محدثات الأمور ومن المحرمات التي نهى عنها القرآن في عدة آيات وحذر منها الرسول ومنع المسلمين منها في جملة أحاديث صحيحة مذكورة في كتب السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لقد أجاز بعضهم رفع القبر أكثر من شبر لمن كان فاضلًا ورفعت كثير من القبور فعلًا في كثير من مقابر العالم الإسلامي في حين أن النبي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام بعث الإمام علي بن أبي طالب إلى ناحية من نواحي المسلمين وأمره بألاَّ يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه كما أن منهم من كتب على لوح أو ألواح وضعها على القبر كلمات المدح والثناء والتقديس والإطراء للميت في حين أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -(نهى عن الكتابة على القبور) [5] كما أن منهم من عمر على قبر الميت مسجدًا في حين أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد في عدة أحاديث صحيحة مرفوعة. وجعلوا الميت الذي هو محتاج إلى دعاء الأحياء له بالمغفرة والرحمة والرضوان هو الذي ينفع الحي ويغيثه وينصره على من ظلمه ويشفع له عند الله. هذا ولقد طال الكلام لكثرة الأسئلة الواردة حول هذه المصيبة العظمى الذي عمت الكثير من الأقطار والأمصار والمعارضة للأدلة الشرعية التي نطقت بها آيات القرآن وأحاديث سيد الأنام، وهي مسألة جديرة بالاهتمام ونشر أدلتها بين الخاص والعام ليعلم الجميع أن ما اشتهر عند الكثير من المسلمين ليس من الإسلام وأن ما يعتقده الكثير من الجامدين والمغفلين في القبور وفي أصحاب القبور وما يعملونه من العقائد التي ذكرتها آنفًا إنما هي من البدع والمحدثات في الإسلام. وان هذه الأعمال كلها مخالفه لكتاب الله ولسنة رسول الله ولما كان عليه السلف الصالح من أصحابه والتابعين والأئمة المهديين وأن تفسير أولياء الله بأنهم الأموات الذين يقصدون للزيارة
(1) صحيح مسلم: كتاب الحج: باب لا تشد الرحال إلا إلى الثلاثة مساجد. حديث رقم (2475) بلفظ: عن أبي هريرة يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى) .
أخرجه البخاري في الجمعة 1115،والنسائي في المساجد 693،وأبو داود في المناسك 1738، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها 1399،وأحمد في 6893،6951،والدارمي في الصلاة 1385.
أطراف الحديث: الحج 2476
معاني الألفاظ: ... شد الرحال: السفر بنية تعظيم مسجد مخصوص
(2) سورة الجن: آية 18.
(3) سورة النجم: آية 39.
(4) صحيح مسلم: كتاب الوصية: باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته. حديث رقم (3084) بلفظ: عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) .
أخرجه الترمذي في الأحكام 1297،والنسائي في الوصايا 3591،وأبو داود في الوصايا 2494، البيوع 3073، وأحمد في باقي مسند المكثرين 8489،والدارمي في المقدمة 558.
(5) راجع نيل الأوطار.