الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في كتب السنة النبوية المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام أما من لم يكن قد حاز علوم الاجتهاد فلا يحق له أن يجتهد خشية من أن يغلط أو يخطئ في الاجتهاد.
س: ما هو حكم الالتزام بأحد المذاهب الأربعة أو غيرها؟ فقد سمعنا أنه من لم يلتزم بمذهب معين فلا يصح له الخروج عن هذا المذهب إلا للضرورة ويقلد مذهب آخر في هذه المسألة ثم يعود إلى مذهبه؟ أما العامي فليس له مذهب معين؟ وإذا كان العلماء لا يصح لهم أن يخرجوا عن مذهبهم؟ فما هو حكم خيار هذه الأمة الذين سبقوا عصر المذاهب والتابعين وتابعيهم؟
جـ: اعلم إن الصحابة والتابعين وهم خير القرون الذين قال عنهم النبي - صلى الله عليه وسلم - (خير الناس قرني ثم الذين لونهم) [1] الحديث. ما كانوا يعرفون التقليد لمذهب محدود ولا يقلدون إمامًا معينًا، بل كان منهم العالم ومنهم الجاهل، فكان الجاهل يسأل أي عالم فيفتيه العالم بما يعرفه في المسألة المسئول عنها ولم يكن الناس في تلك القرون أو في تلكم العصور أو في عصر الصحابة والتابعين كلهم من العلماء المجتهدين ولا كان الناس يقلدون عالمًا بعينه في جميع المسائل المتعلقة بالمعاملات أو العبادات أو بعبارة أخرى بالمسائل التعبدية وبالمسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية، وبالمسائل المتعلقة بالأحوال المدنية، وبالمسائل المتعلقة بالأحوال الجنائية، والدليل على المسألة الأولى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يعدون بالآلاف ولم يعرف عنهم جميعًا أنهم كانوا كلهم علماء يفتون الناس في الصلاة والصيام والزكاة والحج والنكاح الطلاق والمواريث والبيع والشراء، وجميع مسائل الدين الشرعية، بل الذين كانوا يفتون الناس جماعة معروفه، لا يتجاوز عددهم المائة أو التسعين منهم، وذلك كالخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين، وغير هؤلاء ممن حفظوا الأحاديث الكثيرة والبقية الواحد منهم يسأل غيره فيفتيه بما يرى ولم يكن كل واحد من الصحابة عالمًا مجتهدًا يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، بل كان الجاهل يسأل العالم كما كان العالم يسأل العالم الآخر عما لا يعلمه، أو يدل العالم الجاهل على عالم آخر ممن يظن أنه أعرف بالمسألة منه، وهكذا كان الأمر في عصر التابعين، فقد كان علماء المدينة يفتون الناس ولا يتجاوز عددهم المائة أو التسعين والبقية وهم الآلاف من الناس كانوا يسألون غيرهم وقد اشتهر من التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي ومكحول وعطاء وغيرهم.
والدليل على المسألة الثانية: أنا لم نسمع أن جماعة التزموا التقليد لابن عباس أو أن جماعة كانوا يقلدون أحد الخلفاء الراشدين أو ابن مسعود أو ابن عمر، بل ولا سمعنا أن أحد كان مقلدًا لأحدٍ من الصحابة المذكورين آنفًا أو لغيرهم من الصحابة أو التابعين، ولم يعرف أن هناك جماعة من الناس قد تبعوا عبد الله بن عباس في جميع المسائل الشرعية والصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج أو النكاح أو الطلاق أو كان يوجد مذهب علوي أو عمري أو مسعودي أو عائشي أو مكحولي لمن تبع الإمام علي في كل شيء أو لمن يقلده في جميع المسائل الشرعية أو يقلد عمرًا أو ابن مسعود أو عائشة أو الحسن البصري أو سعيد بن المسيب أو مكحول كما سمعنا أخيرًا باسم الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والزيدي
(1) صحيح البخاري: كتاب الشهادات: باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد. حديث رقم (2458) بلفظ: عن عبد الله - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) .
أخرجه مسلم في فضائل الصحابة 4599، 4600 والترمذي في المناقب 3794 وابن ماجة في الأحكام 2353 وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة 3413، 3767، ومسند الكوفيين 17625، 17701.
أطراف الحديث: المناقب 23378، الرقاق 5949، الأيمان والنذور 6166