فهرس الكتاب

الصفحة 452 من 1290

وأما من جهة الدراية فمردود من وجوه.

الوجه الأول: هو أن ثعلبة بن حاطب من أهل بدر كما نص على ذلك أهل السير والتاريخ كابن إسحاق وابن هشام والواقدي وابن سعد وابن حزم وأبو نعيم وابن مندة وابن عبد البر وابن كثير وابن الأثير وابن سيد الناس والذهبي وغيرهم من المحدثين والمؤرخين.

الوجه الثاني: أن المفسرين اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية ولم يتفقوا على أنها نزلت في (ثعلبة بن حاطب) ومن طالع كتب التفسير يجد بعض المفسرين يحكي نزولها في ثعلبة ابن حاطب وبعضهم يحكي نزولها في ثعلبة ابن أبي حاطب وبعضهم يحكي نزولها في حاطب ابن أبي بلتعة وبعضهم يحكي نزولها في نفر من المنافقين، وهم (نبتل بن الحارث) (ومعتب بن قشير) و (الجد بن قيس) كما لا يخفى على من اطلع على تفسير هذه الآية وهي قوله تعالى (ومنهم من عاهد الله لأن أتانا من فضله) [1] ولم يقتصر على الإطلاع على تفسير واحد أو تفسيرين.

الوجه الثالث: أن العلماء لم يتفقوا على تاريخ ثعلبة بل اختلفوا في تاريخ موته فمنهم من قال أن وفاته كانت في أيام عثمان - رضي الله عنه - ومنهم من قال: أنه استشهد في غزوة خيبر. وقيل في غزوة أحد وعلى القولين الأخيرين فوفات ثعلبة ابن حاطب كانت في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكيف تحكي القصة بأن وفاته كانت في عصر عثمان - رضي الله عنه -.

الوجه الرابع: أن هذه القصة لم ترد في كتب الصحاح أو المسانيد أو السنن في حين أنها قد اشتهرت وهي ذات شأن وأي شأن لأنها تتعلق بحكم شرعي هو حكم مانع الزكاة فلو كانت القصة قد وقعت لنقلت إلينا نقلًا صحيحًا وقد نقل ما هو دونها خطورة وأثرًا في كيان المجتمع المسلم ناهيك عن أن الكتب الصحيحة والسنن قد نقلت قصصًا أخطأ أصحابها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتهمهم بعض الصحابة بالنفاق كقصة حاطب وكقصة كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تبوك وحادثة الإفك وقد كان فيمن تكلم بها مسطح ابن أثاثة وغير ذلك من القصص العديدة التي دافع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أصحابها وعذرهم وقبل توبتهم واستغفر لهم فما بال ثعلبة المسكين ينفرد بهذا الخطأ الغريب هكذا قال العلامة الحمش حفظه الله في كتابه (ثعلبة بن حاطب المفترى عليه) .

الوجه الخامس: أن هذه القصة مخالفة للقرآن الكريم وذلك لأن من أصول الشريعة التي قررها الله في كتابه وعلى لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الإنسان لو بلغت ذنوبه عنان السماء ثم تاب توبة نصوحًا تاب الله عليه قال جل شأنه (إنما التوبة على الله للذين يعلمون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فاولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليمًا حكيمًا، وليست التوب للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابًا أليمًا." [2] "

وقد أجمع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن كل شيء عُصي به فهو جهالة عمدًا كان أو غيره وكل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة وهو ما أقره شيخ المفسرين الطبري رحمه الله وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب قال الطبري وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال تأويله ثم يتوبون قبل مماتهم في الحال التي يفهمون فيها أمر الله تعالى ونهيه قبل أن يغلبوا على أنفسهم هذا معنى ما قاله العلامة سليم الهلالي في كتابه (الشهاب الثاقب) وأضاف قائلًا ودليل ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) [3] وهو بيان لقوله تعالى (وليست التوبة) إلى آخر الآية وقصة ثعلبة هذه تؤكد أن ثعلبة تاب توبة نصوحًا فجاء يعرض صدقته على الرسول وأكد توبته مرارًا فجاء إلى أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - لكنهم رفضوا قبول توبته وأخبروه أن الله لم يقبل توبته وهذا خلاف ما تقدم من النصوص القاطعة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات) [4] .

وقال نفع الله بعلومه فإن قيل أن ثعلبة منافق قلت حتى المنافقين فقد فتح الله لهم باب التوبة على مصراعيه قال الشاكر العليم (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا، إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرًا عظيمًا، ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرًا عليمًا) [5] وقال التواب الرحيم (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم إلى قوله .. ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم) [6] .

وقد رغب الله عباده في التوبة (وتوبوا إلى الله جميعًا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون) [7] وحذرهم من أن يقنطوا من رحمة الله التي وسعت كل شيء (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم) [8] وقال تعالى:"على لسان إبراهيم عليه السلام (قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) [9] قال [10] نفع الله بعلومه: والقصة تنمي في قلوب العصاة الذين جهلوا فاقترفوا بعض الذنوب واجترحوا السيئات صفة القنوط واليأس من رحمة الله تلك الصفة التي لا يحبها الله و لا رسوله الذي بشر الناس أنهم لو أتوا بقراب الأرض خطايا واستغفرو الله لغفر لهم ولو لم يستغفروا لاستبدلهم الله بأناس يخطئون فيستغفرون فيغفر لهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (قال الله تعالى(يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة وقال - صلى الله عليه وسلم - والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم) [11] أخرجه مسلم رحمه الله."

(1) سورة التوبة: آية (75) .

(2) سورة النساء: آية (17،18)

(3) سنن الترمذي: كتاب الدعوات: باب في فضل التوبة والاستغفار. حديث رقم (3460) بلفظ: عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر). حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (3537) .

أخرجه ابن ماجة في الزهد 4243

معاني الألفاظ: ... الغرغرة: بلغت الروح الحلقوم والمراد تيقن الموت.

(4) سورة الشورى: آية (25)

(5) سورة النساء: آية (145)

(6) سورة التوبة: آية (101 - 104)

(7) سورة النور: آية (31)

(8) سورة الزمر: آية (53)

(9) سورة الحجر: آية (56)

(10) سليم الهلالي.

(11) صحيح مسلم: كتاب التوبة: باب سقوط الذنوب بالاستغفار. حديث رقم (4936) بلفظ: عن أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم.

أخرجه الترمذي في صفة الجنة 2450 وأخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين 7700، 7736

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت