فهرس الكتاب
وقال ابن حزم في المحلى (ولا يلزم صوم في رمضان ولا في غيره إلا يتبين طلوع الفجر الثاني. وأما ما لم يتبين فالأكل والشرب والجماع مباح كل ذلك مهما كان على شك من طلوع الفجر أو على يقين من أنه لم يطلع فمن رأى الفجر وهو يأكل فليقذف ما في فمه من طعام أو شراب وليصم ولا قضاء عليه ومن رأى الفجر وهو يجامع فليترك من وقته وليصم ولا قضاء عليه. وسواء في كل ذلك كان طلوع الفجر بعد مدة طويلة أو قريبة. فلو توقف باهتا فلا شيء عليه وصومه تام ولو أقام عامدًا فعليه الكفارة.
ثم قال برهان ذلك قول الله عز وجل (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) [1] وهذا نص ما قلنا لأن الله تعالى أباح الوطء والأكل والشرب إلى أن يتبين لنا الفجر. ولم يقل تعالى حتى يطلع الفجر ولا قال حتى تشكوا في الفجر. فلا يحل لأحد أن يقوله. ولا أن يوجب صومًا بطلوعه ما لم يتبين للمرء إلى آخر كلامه الذي احتج فيه بحديث (فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) وغيرها من الأحاديث الدالة على جواز الأكل والشرب حتى يتبين الفجر وقال (فنص عليه السلام على أن ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يطلع الفجر [2] وأباح الأكل إلى أذانه فقد صح أن الأكل مباح بعد طلوع الفجر ما لم يتبين لمريد الصوم طلوعه)
وذكر بعد ذلك عدة أحاديث مرفوعة وموقوفة تؤيد كلامه. هذا المصرح بأن المدار على تبين طلوع الفجر لا على الطلوع نفسه بل ذكر حديث أبي هريرة مرفوعًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (إذا سمع أحدكم النداء والإناء في يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) [3] .
ما احتج به ابن حزم واستنبطه من الآية الكريمة ومن حديث"كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"هو مؤيد لما ذهب إليه المهدي في البحر ويحيى بن حمزة وسيد سابق. وهو مضعف لما قاله صاحب البيان الذي قرره المتأخرون من أهل المذهب الهادوي كما لا يخفى.
فمذهب المهدي ويحيى بن حمزة وابن حزم والسيد سابق هو ما كان قد قال به أبو حنيفة والشافعي من عدم الفرق بين من رأي الفجر بنفسه ومن سمع المؤذن يؤذن به وهو الراجح عندي لما شرحه ابن حزم رحمه الله. وأخيرًا قال الألباني في المجلد الثالث من الأحاديث الصحيحة ما نصه (الإمساك عن الطعام قبل أذان الصبح بدعة) ثم ذكر حديث (إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) أخرجه أبو داود وابن جرير الطبري في التفسير (3/ 526/3015) وأبو محمد الجوهري في (الفوائد المنتقاة(1/ 2) والحاكم (1/ 426) والبيهقي (4/ 218) وأحمد (2/ 423 و 510) من طرق عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(1) ـ سورة البقرة: 187
(2) ـ سبق ذكره في هذا الباب من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه في صحيح مسلم برقم (1827) .
(3) سنن أبي داود: كتاب الصوم: باب في الرجل يسمع النداء والإناء على يده. حديث رقم (3002) بلفظ: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضى حاجته منه). صححه الألباني في صحيح سنن أبو داود برقم (2350) .
أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين 9108