فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 673

الرحمن في اللغة صفة مشبهة وهي أبلغ من الرحيم، والرحمة في حقنا رقة في القلب تقتضي الإحسان إلى المرحوم وتكون بالمسامحة واللطف أو المعاونة والعطف، والرحمة تستدعي مرحوما فهي من صفات الأفعال [1] .

والرحمن اسم يختص بالله ولا يجوز إطلاقه في حق غيره، والرحمن سبحانه هو المتصف بالرحمة العامة الشاملة حيث خلق عباده ورزقهم، وهداهم سبلهم، وأمهلهم فيما خولهم، واسترعاهم في أرضه، واستأمنهم في ملكه، واستخلفهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا، ومن ثم فإن رحمت الله في الدنيا وسعتهم جميعا فشملت المؤمنين والكافرين، والرحمة تفتح أبواب الرجاء والأمل، وتثير مكنون الفطرة وتبعث على صالح العمل، وتدفع أبواب الخوف واليأس، وتشعر الشخص بالأمن والأمان [2] .

والله عز وجل سبقت رحمته غضبه، ولم يجعل في الدنيا إلا جزءا يسيرا من واسع رحمته يتراحم به الناس ويتعاطفون، وبه ترفع الدابة حافرها عن ولدها رحمة وخشية أن تصيبه، روى البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(جَعَلَ الله الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) [3] ، وفي رواية أخرى عند البخاري قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ) [4] .

وورد عند البخاري أيضا من حديث عُمَر بن الخطاب - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: (قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ [5] ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لاَ وَاللَّهِ، وَهِي تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) [6] .

(1) انظر تفصيل المعنى في لسان العرب 12/ 231، وكتاب العين 3/ 224.

(2) انظر فتح الباري 13/ 358 في معنى قول الحليمي: الرحمن هو مزيح العلل.

(3) البخاري في الأدب، باب جعل الله الرحمة في مائة جزء 5/ 2236 (5654) .

(4) البخاري في الرقاق، باب الرجاء مع الخوف 5/ 2374 (6104) .

(5) هذه المرأة كانت مرضعة وعند الحرب فقدت طفلها وقد سبيت، وقد فعلت ذلك ليخفف ألم اللبن في ثديها، فأخذت تبحث عن طفلها حتى وجدته فأخذته وضمته وأرضعته، فتح الباري 10/ 430.

(6) البخاري في الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته 5/ 2235 (5653) ، ومسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه 4/ 2109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت