ليس باستغفار مطلق، ولهذا لا يمنع العذاب، فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى فالاستغفار طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله، فها هنا ذنبان ذنب قد مضى فالاستغفار منه طلب وقاية شره، وذنب يخاف وقوعه فالتوبة ... العزم على أن لا يفعله والرجوع إلى الله يتناول النوعين، رجوع إليه ليقيه شر ما مضى، ورجوع إليه ليقيه شر ما يستقبل من شر نفسه وسيئات أعماله [1] .
والتوبة النصوص أو الاستغفار الحق تتضمن أولا تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنبا إلا تناولته، والثاني إجماع العزم والصدق بكليته عليها بحيث لا يبقى عنده تردد ولا تلوم ولا انتظار، بل يجمع عليها كل إرادته وعزيمته مبادرا بها والثالث تخليصها من الشوائب والعلل القادحة في إخلاصها ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه والرهبة مما عنده، لا كمن يتوب لحفظ جاهه وحرمته ومنصبه ورياسته ولحفظ حاله أو لحفظ قوته وماله، أو استدعاء حمد الناس أو الهرب من ذمهم، أو لئلا يتسلط عليه السفهاء، أو لقضاء نهمته من الدنيا أو لإفلاسه وعجزه ونحو ذلك من العلل التي تقدح في صحتها وخلوصها لله عز وجل، ولا ريب أن هذه التوبة تستلزم الاستغفار وتتضمنه وتمحو جميع الذنوب، وهي أكمل ما يكون من التوبة [2] .
ومن دعاء العبادة أن يستر العبد على إخوانه عيوبهم، ويغفر لهم ذلاتهم توحيدا لله في اسمه الغفور: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن:14] .
وممن تسمى عبد الغفار أبو صالح الحراني عبد الغفار بن داود بن مهران سكن مصر ومات سنة أربع وعشرين ومائتين، روى عنه البخاري وأبو داود وغيرهما [3] .
(1) مدارج السالكين 1/ 308 بتصرف.
(2) السابق 1/ 310 بتصرف.
(3) الثقات للبستي 8/ 421، وسير أعلام النبلاء 10/ 438.