فهرس الكتاب

الصفحة 638 من 673

دعاء العبادة يظهر من خلال إيمان العبد بعلم الله السابق وتقدير الأشياء، وأن ذلك سر الله في خلقة لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأن هذا العلم هو علم مفاتح الغيب وتقدير الأمور، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَليمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34] ، وقال: {قُل لا يَعْلمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل:65] ، وقال: {قُل أَنْزَلهُ الذِي يَعْلمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:6] .

روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) [1] ، وعند أبى داود وصححه الشيخ الألباني من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) [2] .

فالذي وحد الله في اسمه القادر يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل ولا مغير، وأن الله - عز وجل - قد علم أن الأشياء تصير موجودة لأوقاتها على ما اقتضته حكمته البالغة فكانت كما علم؛ وإن حصول المخلوقات على ما فيها من غرائب الحكم لا يتصور إلا من عالم قد سبق علمه على إيجادها، كما قال تعالى: {أَلا يَعْلمُ مَنْ خَلقَ وَهُوَ اللطِيفُ الخَبِيرُ} [الملك:14] ، فيستحيل حدوث شيء أو وجود فعل بدون علمه وقدرته؛ فلا يخرج عن قدرته مقدور، ولا ينفك عن حكمه مفطور، ولا يعذب عن علمه معلوم، يفعل ما يريد، ويخضع لحكمه العبيد، ولا يجرى في سلطانه إلا ما يشاء، ولا يحصل في ملكه إلا ما سبق به القضاء، ما علم أنه يكون من المخلوقات أراد أن يكون، وما علم أنه لا يكون أراد ألا يكون، فإذا كان هذا اعتقاد الموحد في اسمه القادر ركن إلى

(1) مسلم في القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام 4/ 2044 (2653) .

(2) أبو داود في السنة، باب في القدر 4/ 225 (4700) ، صحيح الجامع (2017) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت