دون شريك وهذا توحيد الربوبية وبالحكمة رتب الأسباب ونتائجها وابتلانا بها وعلق عليها الشرائع والأحكام تحقيقا لتوحيد العبودية، وإنما مثل الأسباب كمثل الآلة بيد الصانع فكما لا يقال: السيف ضرب العنق ولا السوط ضرب العبد، وإنما يقال: السياف ضرب العنق وفلان ضرب فلانا بالسوط، فكذلك لا يقال شفاني الدواء أو الطبيب لأنها أسباب وعلل، والعلل والأسقام كما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: (طبيبها الذي خلقها) [1] ، فهو سبحانه القادر الفاعل بلطائف القدرة وخفايا المشيئة، ولذلك قال إبراهيم - عليه السلام: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:80] ، وقد وحد الغلام ربه في اسمه الشافي لما قال له الوزير في قصة أصحاب الأخدود: (مَا هَاهُنَا لك أَجْمَعُ إِن أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فقال: إِنِّي لا أَشْفِى أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِى الله، فإِن أَنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللهِ فَشَفَاهُ اللهُ) [2] .
والله عز وجل هو الشافي الذي يشفي النفوس من أسقامها كما يشفي الأبدان من أمراضها، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57] وقد ذكر ابن القيم أن القلب متى اتصل برب العالمين خالق الداء والدواء ومدبر الطب ومصرفه على ما يشاء كانت له أدوية أخرى غير الأدوية التي يعانيها القلب البعيد منه المعرض عنه، فإذا قويت النفس بإيمانها وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به وحبها له وتنعمها بذكره وانصراف قواها كلها إليه وجمع أمورها عليه واستعانتها به وتوكلها عليه فإن ذلك يكون لها من أكبر الأدوية في دفع الألم بالكلية [3] .
الرفيق في اللغة من صيغ المبالغة، فعيل بمعنى فاعل، فعله رَفقَ يَرْفق رِفقا، والرِّفْق هو اللطف وهو ضد العنْف، ويعني لِين الجانب ولطافة الفعل، رفق بالأَمر وله
(1) أبو داود في الترجل، باب في الخضاب 4/ 86 (4207) ، وصحيح أبي داود 2/ 792 (3544) .
(2) رواه مسلم من حديث صهيب في كتاب الزهد والرقاق، وانظر الأسماء والصفات للبيهقي ص 111.
(3) زاد المعاد 4/ 12، وانظر أيضا: إغاثة اللهفان 1/ 45، وشفاء العليل ص 91.