فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 673

الحي في اللغة صفة مشبهة للموصوف بالحياة، فعله حَيَّ يَحَيُّ حياة، قال سبحانه وتعالى: {وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال:42] ، والحَيُّ من كل شيء نقيضُ الميت والجمع أَحْياء، والحَي يطلق أيضا على كل متكلم ناطق، والحيُّ من النبات ما كان أخضرا طريا يهتز، والحَيُّ أيضا هو الواحد من أَحْياءِ العَربِ يقع على بَنِي أَبٍ كثروا أم قلوا وعلى شَعْبٍ يجمَعُ القبائل، والحي أيضا البطن من بطون العرب [1] .

والحي سبحانه هو الدائم في وجوده الباقي حيا بذاته على الدوام أزلا وأبدا، لا تأخذه سنة ولا نوم، وهذا الوصف ليس لسواه، فأي طاغوت عبد من دون الله إن كان حيا فحياته تغالبها الغفلة والسنات، وإن قاومها وأراد البقاء عددا من الساعات فإن النوم يراوده ويأتيه، فضلا عن كون الموت يوافيه، فلا ينفرد بكمال الحياة ودوامها باللزوم إلا الحي القيوم [2] ، قال ابن جرير الطبري: (وأما قوله الحي فإنه يعني الذي له الحياة الدائمة والبقاء، الذي لا أول له يحد ولا آخر له يمد، إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلحياته أول محدود، وآخر مأمود، ينقطع بانقطاع أمدها وينقضي بانقضاء غايتها) [3] .

والحي سبحانه هو المتصف بالحياة كوصف ذات لله لا يتعلق بمشيئته، وإن تعلق بها فالإحياء وصف فعله، ولما كان كل ما سوى الله حياته قائمة على إحياء الله، وإحياء الله يدل بالضرورة على وصف الحياة؛ على اعتبار أن الحياة الذاتية لله هي الحياة الحقيقية وكل من سواه يفنى أو قابل للفناء بمشيئة الله، فإن اسم الله الحي دال على الوصفين معا، الحياة كوصف ذات والإحياء كوصف فعل، ومن هنا كانت دعوة الموحدين إلى الاعتماد على الله لأنه الحي الذي لا يموت كما قال سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} [الفرقان:58] ، والله عز وجل من أسمائه المقيدة المحي فلم يرد في القرآن والسنة إلا مضافا كما في قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم:50] ، فالمحي اسم مقيد يدل على صفة الحياة باللزوم والإحياء بالتضمن والله عز وجل هو الحي الذي يحي ويميت، إن تعلق وصف الحياة بالمشيئة كان الإحياء وصف فعله، وإن لم يتعلق بها كانت الحياة وصف ذاته [4] .

القيوم في اللغة من صيغ المبالغة، فعله قام يَقوم قوْما وقِياما، ويأتي الفعل على معنيين

(1) انظر لسان العرب 14/ 211، والمفردات للأصفهاني ص 269، والنهاية في غريب الحديث 1/ 472.

(2) جامع البيان 3/ 5.

(3) السابق 3/ 4، واشتقاق أسماء الله ص 102.

(4) انظر في معنى الاسم: تفسير أسماء الله للزجاج ص 56، والمقصد الأسنى ص 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت