[الكهف:14] ، وكذلك قوله تعالى: {أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} [الصافات:125] ، فهذا أظهر في دعاء العبادة [1] .
إذا كان مدح المخلوق قبل سؤاله بذكر القليل من أوصاف كماله يعد سببا للإجابة وتحقيق المطلوب؛ فإن مدح الخالق قبل سؤاله بذكر أسمائه وصفاته وأفعاله يعد أساسا متينا في دعاء المسألة من باب أولى، لاسيما أن المخلوق يمدح بوصف مكتسب لا يدوم، وربما يمدح بما لا يستحق، وربما يمدح نفاقا وكذبا، كما أن مدح المسئول قبل السؤال يعود النفع فيه على السائل والمسئول، أما رب العزة والجلال فما زال بأسمائه وصفاته أولا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بأسمائه وصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا، هو الغني بذاته عن العالمين، كل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [2] ، فالله عز وجل أهل الثناء والمجد، مهما بالغت في مدحه فلن توفيه شيئا من حقه وما ينبغي لجلال وجهه وجمال وصفه وكمال فعله.
كما أن المادح لربه هو المستفيد من ثنائه ومدحه، أما رب العزة والجلال فهو غني عن مدح العالمين، ولما أمرنا سبحانه أن نمدحه ونسأله وندعوه فإن ذلك لنفعنا وليس لنفعه، روى مسلم من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما روى عن الله تبارك وتعالى: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِالليْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُل إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا
(1) بدائع الفوائد 3/ 513 وما بعدها بتصرف.
(2) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص 127 بتصرف.