أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم:4] ، فقد قيل: إنه دعاء المسألة، والمعنى إنك عودتني إجابتك وإسعافك ولم تشقني بالرد والحرمان، فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه، وقدم ذلك أمام طلبه الولد وجعله وسيلة إلى ربه فطلب منه أن يجاريه على عادته التي عوده من قضاء حوائجه إذا ما سأله.
7 -قول الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110] ، فهذا الدعاء دعاء المسألة، وقد ذكر في سبب النزول عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم البيت فجهر بالدعاء فجعل يقول: يا الله يا رحمن؛ فسمعته أهل مكة؛ فأقبلوا عليه؛ فأنزل الله: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} إلى آخر الآية) [1] ، وروى عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا يدعو يا رحمن يا رحيم فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو مثنى مثنى؛ فأنزل الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} الآية) [2] ، وقيل: إن الدعاء هاهنا بمعنى التسمية كقولهم: دعوت ولدي سعيدا، وادعه بعبد الله ونحوه، والمعنى سموا الله أو سموا الرحمن؛ فالدعاء هاهنا بمعنى التسمية، وليس ذلك عين المراد، بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن، وهو دعاء السؤال ودعاء الثناء، ولكنه متضمن معنى التسمية، فليس المراد مجرد التسمية الخالية عن العبادة والطلب بل التسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب؛ فعلى هذا المعنى يصح أن يكون في تدعوا معنى تسموا، والمعنى أيا ما تسموا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم.
8 -قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور:28] ، فهذا أظهر في دعاء العبادة المتضمن للسؤال رغبة ورهبة، والمعنى إنا كنا من قبل نخلص له العبادة، وبهذا استحقوا أن وقاهم عذاب السموم لا بمجرد السؤال المشترك بين الناجي وغيره؛ فإن الله سبحانه يسأله من في السموات ومن في الأرض، والفوز والنجاة إنما هي بإخلاص العبادة لله لا بمجرد السؤال والطلب، وكذلك قوله عن فتية أصحاب الكهف: {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}
(1) خلق أفعال العباد للبخاري ص82.
(2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 15/ 182.