مبرم لا يرد، أما بقية أنوع التقدير التي تتعلق بالأسباب الغيبية أو الأسباب المشهودة فهي تقبل المحو والتعديل وتقبل التغير والتبديل؛ لأن الأسباب يدفع بعضها بعضا كالتقدير العمري والتقدير السنوي والتقدير اليومي، أو كل ما تعلق بالأسباب من أنواع التقدير فهي من القضاء المعلق، فلما كانت الأسباب يدفع بعضها بعضا، والدعاء من الأسباب، فإن سؤال الله اللطف من أنواع الدعاء، فإن كان القائل يقصد بدعائه طلب التلطف في ترابط الأسباب وتدافعها من قبل مقلبها اعتقادا منه أن الله وحده هو الذي يقلبها، وأنه سيسلم من المكروه إذا دعاه بها، مع إيمانه بأن كل شيء بقضاء وقدر، وأن ما كتبه الله سوف يكون؛ فهذا لا بأس به كأن يدعوا باسمه اللطيف أن يلطف به من موت محقق كادت أن تصطدم فيه سيارتان، أو هلاك ظاهر في الوجه تذهب فيه العينان، أو ما شابه ذلك مما يحدث لكل إنسان، فليس في ذلك سوء أدب مع الله كما أشار البعض والله أعلم.
لم أجد دعاء مسألة بالاسم أو الوصف، ولكن ورد الدعاء بالمعنى الذي دل عليه الاسم كما ورد عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه: (أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم تَلاَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَل في إِبْرَاهِيمَ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم:36] ، وَقَالَ عِيسَى - عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:118] ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللهُمَّ أمتي أمتي وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَل: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ إِنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ وَلاَ نَسُوءُكَ) [1] ، وكذلك دعاء الاستخارة الذي رواه البخاري من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: (كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَليَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلِ اللهمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، اللهمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ
(1) مسلم في الإيمان، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وبكائه شفقة عليهم 1/ 191 (202) .