وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59] ، ذكر بعدها المرتبة الأخيرة فقال: {وَهُوَ الذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِالليْل وَيَعْلمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ ليُقْضَي أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِليْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام:60] ، وقال أيضا: {قَدْ عَلمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [قّ:4] ، وقال: {أَلمْ يَعْلمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَن اللهَ عَلامُ الغُيُوبِ} [التوبة:78] ، فالله عز وجل عالم بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وما لو كان كيف يكون على ما اقتضته حكمته البالغة [1] .
التواب في اللغة من صيغ المبالغة، فعله تاب يتوب توبا وتوبة، والتوبة الرجوع عن الشيء إلى غيره، وترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر لم أفعل، أو يقول فعلت لأجل كذا أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت ولا رابع لذلك وهذا الأخير هو التوبة [2] ، والتائب يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة فالعبد تائب إلى الله والله تائب على عبده [3] ، والتوبة لازمة لجميع المذنبين والعاصين صغر الذنب أو كبر، وليس لأحد عذر في ترك التوبة بعد ارتكاب المعصية لأن المعاصي كلها توعد اللَّه عليها أهلها [4] .
والتواب سبحانه هو الذي يقبل التوبة عن عباده حالا بعد حال، فما من عبد عصاه وبلغ عصيانه مداه ثم رغب في التوبة إليه إلا فتح له أبواب رحمته، وفرح بعودته وتوبة، ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها، فمنْ حديث أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - مرفوعا: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) [5] ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) [6] ، ولو أن إنسانا اتبع هواه أو استجاب لشيطانه وتمادى في جرمه وعصيانه فقتل مائة نفس وارتكب كل إثم وأراد التوبة والغفران تاب عليه التواب، وبدل له عدد ما فات من السيئات بنفس أعدادها
(1) هذه المراتب يتعلق بها العلم الإلهي ويتضمنها اسمه العليم بخلاف مراتب العلم به سبحانه التي ذكرها ابن القيم وحصرها في خمس مراتب، انظر مدارج السالكين 1/ 107، وانظر في تفسير الاسم: المقصد الأسنى ص 126 وشرح أسماء الله الحسنى للرازي 240، والأسماء والصفات للبيهقي ص 91.
(2) المفردات ص 76، ولسان العرب 1/ 233، التعاريف ص 74، وزاد المسير 1/ 70.
(3) المفردات ص 76، وكتاب العين للخليل بن أحمد 8/ 138، وتفسير أسماء الله الحسنى ص 62.
(4) انظر الرعاية لحقوق الله للمحاسبي ص 68، وإحياء علوم الدين 4/ 2، وعوارف المعارف ص 487.
(5) مسلم في التوبة، باب قبول التوبة 4/ 2113 (2759) .
(6) الترمذي في الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار 5/ 547 (3537) ، وانظر حكم الشيخ الألباني على الحديث في صحيح الجامع (4338) .