فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 673

[ق:16/ 17] ، فيجوز هنا أن يكون القرب قرب الملكين، وأما القرب الوارد في آية الواقعة فهو مقيد بحال الاحتضار لأن الذي يحضر وقتها الملائكة، كما قال سبحانه: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام:61] ، كما أن قوله وأنتم لا تبصرون فيه دليل على أنهم الملائكة، إذ يدل على أن هذا القريب في نفس المكان ولكن لا نبصره [1] ، فالله عز وجل قريب من فوق عرشه، عليم بالسرائر يعلم ما تكنه الضمائر، وهو قريب بالعلم والقدرة في عامة الخلائق أجمعين، وقريب باللطف والنصرة وهذا خاص بالمؤمنين، من تقرب منه شبرا تقرب منه زراعا، ومن تقرب منه زراعا تقرب منه باعا، وهو أقرب إلى العبد من عنق راحلته [2] ، وهو أيضا قريب من عبده بقرب بملائكته الذين يطلعون على سره ويصلون إلى مكنون قلبه [3] .

المجيب في اللغة اسم فاعل، فعله أجاب يجيب جوابا وإجابة واستجابة، والإجابة صدى الكلام أو ترديده، أو المحاورة في الكلام ورد السؤال [4] ، وعند البخاري من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قالت: (وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلاَ مُجِيبٌ) [5] ، والإجابة كذلك إجابة المحتاج بالعطية والنوال، وإعطاء الفقير عند السؤال، فللمجيب معنيان إجابة السائل بالعلم، وإجابة النائل بالمال [6] .

والمُجِيب سبحانه هو الذي يُقابِل السؤالَ والدُّعاء بالقَبُول والعَطاء، وهو المجيب الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويغيث الملهوف إذا ناداه، ويكشف السوء عن عباده ويرفع البلاء عن أحبائه، وكل الخلائق مفتقرة إليه، ولا قوام لحياتها إلا عليه، لا ملجأ لها منه إلا إليه، قال تعالى: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] ، فجميع الخلائق تصمد إليه وتعتمد عليه [7] ، وشرط إجابة الدعاء صدق

(1) مجموع الفتاوى 5/ 502، 6/ 19، والقواعد المثلى لابن عثيمين ص 65.

(2) انظر حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند البخاري مرفوعا: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عبدي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) ، وحديث أَبِى مُوسَى - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ) .

(3) انظر طريق الهجرتين ص 44، واجتماع الجيوش الإسلامية ص 68، وجامع البيان 2/ 92.

(4) لسان العرب 1/ 283.

(5) البخاري في المغازي، باب حديث الإفك 4/ 1518 (3910) .

(6) شرح أسماء الله الحسنى للرازي ص 281، وتفسير أسماء الله للزجاج ص 51.

(7) الاعتقاد للبيهقي ص 60، والأسماء والصفات ص 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت