لا تدركه الأفهام ولا تكيفه العقول فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال [1] .
وعند أبى داود وصححه الشيخ الألباني من حديث سَلمَان الفارسي - رضي الله عنه - أن رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِىٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِى مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا) [2] ، والحياء وصف كمال لله لا يعارض الحكمة ولا يعارض بيان الحق والحجة كما قال تعالى: {إِن اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَة فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ الله بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِل بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ} [البقرة:26] .
الستير في اللغة على وزن فعِيل من صيغ المبالغة، فعله ستر الشيء يَسْتُرُه سَترا أَخفاه والستير هو الذي من شأْنه حب الستر والصَّوْن والحياء، والسُّتْرةُ ما يُستَر به كائنا ما كان، وكذا السِّتَارة والجمع السَّتَائِرُ، وسَتَر الشيء غطاه وتَسَتَّر أي تغطى، وجارية مُستَّرة يعني مستورة في خدرها، قال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} [الإسراء:45] ، أي حجابا على حجاب فالأول مستور بالثاني، أراد بذلك كثافة الحجاب لأنه جعل على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا [3] .
والستر يأتي أيضا بمعنى المنع والابتعاد عن الشيء روى البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (جَاءَتْنِي امْرَأَة مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فأعْطيْتُهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَحَدَّثتُهُ فَقَال: مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ شَيْئا فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ) [4] ، وعند البخاري من حديث أبي سعِيدٍ - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا صَلى أَحَدُكمْ إِلَى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) [5] .
والستير سبحانه هو الذي يحب الستر ويبغض القبائح، ويأمر بستر العورات ويبغض الفضائح، يستر العيوب على عباده وإن كانوا بها مجاهرين، ويغفر الذنوب مهما عظمت طالما أن العبد من الموحدين، وإذا ستر عبده في الدنيا ستره يوم القيامة روى مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لاَ يَسْتُرُ الله عَلَى عَبْدٍ في الدُّنْيَا إِلاَّ سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [6] .
(1) مدارج السالكين 2/ 261.
(2) أبو داود في الوتر، باب الدعاء 2/ 78 (1488) ، وانظر صحيح أبي داود (1337) .
(3) لسان العرب 4/ 344، وتفسير الطبري 15/ 94.
(4) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته 5/ 2234 (5649) .
(5) البخاري كتاب الصلاة، باب يرد المصلي من مر بين يديه 1/ 191 (487) .
(6) مسلم في البر والصلة والأدب، وانظر فيض القدير 2/ 228، وعون المعبود 11/ 34.